تحليلات

غصن الزيتون..بين الحقيقة والتضليل

هيومن فويس

دخل الفيلم الهوليودي الشهير “ذيل الكلب” دور العرض السينمائي في تركيا تحت اسم “رجال الرئيس” عام 1998، وهو من بطولة النجمين داستين هوفمان وروبرت دي نيرو، ومن إخراج باري ليفينسون.

الفيلم تطرق إلى حملة إعلامية مضللة شنها رجال رئيس أمريكي قبل فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية، على خلفية فقدانه سمعته وتشوه صورته، إثر فضيحة أخلاقية مع فتاة.

ويتناول الفيلم كيف قام رجال الرئيس بحياكة قصة حرب افتراضية، ونشرها في وسائل الإعلام بهدف تحسين صورة الرئيس، والدفع نحو إعادة انتخابه لفترة رئاسية جديدة.

في تلك الفترة كانت شبكة الإنترنت في مرحلة البدايات، لذلك لجأ رجال الرئيس إلى نشر الحملة عبر وسائل الإعلام التقليدية، لتوجيه الرسالة إلى الناخبين.

ويظهر هذا الفيلم والعديد من الأفلام المشابهة مدى إحاطة وسائل الإعلام بالأفراد وتأثيرها عليهم من خلال أدواتها الكثيرة، الآخذة بالتزايد، وأحدثها الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وكما أوضح الكاتب الكندي مارشال ماكلوهان (1911 ـ 1980) في مقولته الشهيرة “الوسيلة هي الرسالة”، نجد اليوم أن الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ليست مجرد وسيلة لنشر الأخبار والصور والتسوق وإجراء المعاملات المصرفية بشكل سريع وآني فقط، وإنما تشكل كل أداة منها رسالة بحد ذاتها.

فمع زيادة نطاق مفهوم صحافة المواطن وإنشاء المحتوى والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في الكثير من بلدان العالم، أصبحت هذه الوسائل تستخدم في عدد كبير من المجالات، مثل الضغط، والبروباغندا (الدعاية)، وإدارة الرأي العام، والدبلوماسية العامة.

ومنذ سنوات طويلة، يواصل الغرب استراتيجيته المتمثلة في “التفريق والتقسيم والابتلاع” تجاه الشرق الأوسط، إذ يعمل منذ ثمانينيات القرن الماضي على دعم تنظيم “بي كا كا” والتنظيمات الإرهابية الأخرى التي تستهدف تركيا.

ويسعى الغرب في هذا الإطار إلى تطويق تركيا من الجنوب، من خلال تقديم الدعم لتنظيم “بي كا كا” وامتداداته في سوريا مثل “ب ي د”، عبر إمدادها بآلاف الشاحنات من السلاح والعتاد بشكل علني.

وردا على مساعي الغرب، أطلقت تركيا أولا عملية “درع الفرات” (بين أغسطس / آب 2016 ومارس / آذار 2017)، ثم “غصن الزيتون” (20 ديسمبر / كانون الأول الماضي)، في منطقة عفرين شمال غربي سوريا، بموجب القوانين الدولية، بهدف القضاء على التهديدات الإرهابية التي تطول أمنها وأراضيها.

وكما هو الحال بالنسبة إلى عملية “درع الفرات”، توجد في تركيا أطراف معارضة لـ “غصن الزيتون”، تبدو من خلال لغتها وكأنها تلعب لعبة القرود الثلاثة (لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم) حيال التهديدات التي تتعرض لها تركيا.

ويتلقى تنظيم “بي كا كا” وامتداداته، التي تعتبر مطية يستغلها داعموه من الغرب، دعما كبيرا في كافة المجالات من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

وفي مواجهة عمليات تركيا الرامية إلى الحفاظ على وحدة أراضيها، والقضاء على مشروع فرض طوق إرهابي في حدودها الجنوبية، تخوض أطراف من المعارضة التركية حربا ضد العملية في مضامير عديدة، بدءا من مراكز المدن والجبال، وصولا إلى مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

من جهة أخرى تؤيد الأكثرية العظمى من الشعب التركي العملية الهادفة إلى القضاء على الإرهاب، الذي طالما استهدف تركيا طوال أربعين عاما، والانتقام لشهداء وضحايا العمليات الإرهابية، والحفاظ على وحدة وسيادة أراضي الجمهورية.

وتسعى الأصوات المعارضة القليلة، ضمن حملتها الإعلامية المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تشكيل رأي عام مضاد للعملية، عبر نشر ادعاءات كاذبة عديدة، من قبيل أن “العملية موجهة ضد الأكراد”، وأن “الجيش التركي يستهدف المدنيين والأطفال”.

لكن في المقابل، أحرزت تركيا تقدما كبيرا في كيفية مواجهة الإرهاب بشكل شامل، حيث لم تكتفِ بتطوير أسلحتها وتقنياتها العسكرية، وإنما عززت قدراتها في مجال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أيضا لمواجهة حملات “البروباغندا” التي تشنها “بي كا كا” الإرهابية.

وفي هذا الإطار تلقي وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية القبض على مؤيدي التنظيم، في حال نشرهم منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي من شأنها التأثير على مكافحة تركيا للإرهاب.

أما دول الاتحاد الأوروبي فلا تتردد أبدا في إظهار تأييدها العلني للتنظيم ، من خلال السماح لأنصار “بي كا كا” بتنظيم فعاليات متنوعة داعمة للتنظيم.

ودون أي شعور بالخجل من ماضيها الاستعماري، تسعى دول الغرب إلى إعطاء تركيا دروسا في الإنسانية، متجاهلة سلوكها المعادي للاجئين السوريين، ما يجعلها في وضع حرج باستمرار.

ويستخدم مؤيدو التنظيم الإرهابي على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات كاذبة وصورا مضللة ومفبركة، ضمن حملتهم الرامية إلى تشويه عملية تركيا ضد المليشيات الإرهابية.

وبفضل الخبرة الكبيرة التي اكتسبتها تركيا في مكافحة الإرهاب على مر السنين، تخوض كافة الوحدات التركية في إطار “غصن الزيتون”، كفاحا فاعلا ضد التنظيم الإرهابي في كافة المجالات، سواء العسكرية أو الإعلامية، حيث تزود الرأي العام بالمعلومات الصحيحة حول العملية.

من جهة أخرى تبذل وسائل الإعلام التركية جهدا كبيرا في تفنيد الأخبار الكاذبة والصور المفبركة التي ينشرها التنظيم الإرهابي، خلال دقائق قليلة من نشرها.

كما يبذل الجيشان التركي والسوري الحر قصارى جهدهما في مراعاة عدم إلحاق الضرر والأذى بالمدنيين، ضمن عملية “غصن الزيتون” التي تستهدف فقط المواقع العسكرية الإرهابية.

ويعمل الجيش التركي وممثلو المنظمات التركية كذلك على إنشاء جسور من المحبة مع أهالي عفرين، من خلال تزويدهم بكافة أنواع المعونات عقب تحرير مناطقهم من المليشيات الإرهابية.

في الختام، يجب ألا ننسى أن الغرب الذي قدم ويقدم آلاف الشاحنات من الأسلحة لتنظيم “ب ي د” اليوم، بهدف إنشاء ممر إرهابي على الحدود الجنوبية لتركيا، سيدعم غدا أطرافا أخرى، وجعلها تحارب الأكراد، بهدف تحقيق مصلحته الشخصية.الأناضول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.