سياسة

البرجوازيون والأسد..امتيازات مقابل الولاء

هيومن فويس: النبض

في كل مرة يبحث فيها المُهتم عن أخبار سوريا، يجد إلى جانب أخبار القصف والبراميل والمجازر والأحياء المهدمة، أخباراً لاحتفالياتٍ ومهرجاناتٍ وحفلاتٍ موسيقية وثقافية ومعارض، كان آخرها انطلاق معرض الكتاب، والإعلان عن النسخة التاسعة والخمسين من معرض دمشق الدولي، بالإضافة إلى افتتاح العديد من المطاعم، والمقاهي، والبارات، والمحال التجارية في كل من دمشق وحلب، تأكيداً من النظام على أنها مراكز قوته، واستكمالاً للمشهد الذي روّج له الأسد لسوريا منذ بدأ حكمه، والذي يجمع بين الرفاه الاقتصادي والحياة الثقافية النشِطة.

ومراكز القوة للنظام هنا ليست المراكز المُسيطر عليها عسكرياً فقط، بل هي مراكز القوة الاقتصادية، كما كانت قبل الثورة، والتي تضمّ الطبقة البرجوازية، الطبقة المفضلة للأسد، أو من تبقى منها على الأقل، المحسوبة على الفئات المناصرة للنظام، والتي عمل النظام جاهداً على إرضائها  قبل الثورة خدمةً لمصالحه. وفي الوقت الذي يعتبر فيه البعض أن من بقي في هاتين المدينتين الآن ليسوا إلا مغلوبين على أمرهم، يسعون لممارسة حياة أقرب للاعتيادية، الأمر الذي قد ينطبق على الأكثرية، يعتبرهم آخرون شركاء للنظام في تنشيط الاقتصاد، وتجميل صورته وتلميعها في الإعلام الغربي، وأنهم الأساس الذي يستند إليه الأسد اليوم في استمرار وجوده.

ويتجلى بوضوح وجود هذه الفئة في الإعلام السوري في ازدياد أعداد البازارت المُعلن عنها، التي تعتمد على عرض منتوجات وألبسة من مصممين عالميين، تباع بالدولار أو ما يقابلها من العملة السورية. رواد هذه البازارات معظمهم من نفس دائرة الشبكات المالية والاجتماعية المرتبطة بالمسؤولين أو الأسرة الحاكمة، والتي أسس لها بشار الأسد بشكلها الحالي مع بداية حكمه، حيث وسّع دوائر الامتيازات، التي شملت في الوقت ذاته نخباً اقتصادية وعسكرية، وتوسعت، على أثر ذلك، الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين طبقة الأغنياء والفقراء، مع ازدياد الثروات بين الناس في المدينتين الرئيسيتين، حلب ودمشق.

ويعزو عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين تطور هذه الفئة البرجوازية مع استلام بشار الأسد للحكم، إلى التغييرات النيوليبرالية الجذرية التي أُدخلت على الاقتصاد السوري، والتي لم تحسب ردود الفعل الاجتماعية، اعتقاداً من النظام بأن أجهزة السلطة القمعية قد دمرت، على مدى عقود، أي محاولة للاحتجاج. وكان النظام قد أعطى سياسته النيوليبرالية، المعادية للفئات الأكبر في المجتمع، والتي خدمت البورجوازية بطبيعة الحال، اسم «اقتصاد السوق الاجتماعي».

هذه الفئة، ورغم معارضة بعضها للنظام الآن، سواءً بصوت منخفض، أو من دون صوت، هي محكومة بأيديولوجية «الحياة الكريمة»، كما تصفها لورين بيرلانت*. تلك الأيديولوجيا التي تجمع، بين التطلعات للتحرر الاقتصادي والفرص وبين الخوف من الاضطراب الطائفي، ومخاوف التغيير، والتي مارسها النظام، وما زال، للسيطرة على هذه الفئة. ولا تقتصر تطلعات «الحياة الكريمة» على التطلعات المعتادة للرفاه الاقتصادي فحسب، بل تمتد أيضاً لتشمل الأوهام بالاستمتاع بحياة ثقافية، وحس بالأمان الداخلي، وشعور بالهوية الوطنية ذات السيادة، التي يسعى النظام جاهداً للترويج لها في كل المناسبات.

لذلك، نجد أن قسماً كبيراً من هذه الطبقة البرجوازية السورية الواسعة، قد عبّر مع اندلاع الثورة في شهر آذار 2011، عن تأييده للنظام خوفاً على مكتسباته، ودافع عنه ووقف إلى جانبه من خلال الدعاية والإعلانات واللافتات على الطرقات، بالإضافة إلى تمويل بعضهم للميليشيات الموالية للنظام وتسليحها لاحقاً، ولا سيما ذلك القسم من البرجوازية الذي يعتبر شريكاً للأسد.

اليوم، وبعد مرور ست سنوات على الحراك، وفي كل مرة نشاهد الاحتفالات في دمشق وحلب، ومهرجانات الصيف، تعود بنا الذاكرة إلى السنة الأولى للثورة، عصر الإصلاحات الواهمة الموجهة نحو السوق، والتي حملت تطلعات جديدة للبرجوازيين، ومزيداً من الأوهام المتعلقة بالسيادة الوطنية والتعايش السلمي، وأهملت المطالب الشعبية وضرورة التنمية الطارئة وتحسين ظروف الحياة في المناطق الثائرة.

الارتباط الضمني والعلني بين الطبقة البرجوازية، أو البرجوازية الجديدة التي أسس لها النظام بشكله الحالي، يبدو اليوم أكبر من ذي قبل، كما يبدو اهتماماً مشتركاً من الطرفين، ناتجاً عن إدراكهم لارتباط وجودهما بالآخر. كل هذه الاحتفالات التي يقيمها النظام، وازدهار دار الأوبرا، لا يغري إلا البرجوازية، ويعمل على إرضائها. كما أنها تؤسس لدوائر قوة جديدة تفيد الطرفين، وتعزز وجود النظام الاقتصادي وتوزع الثروات بالشكل الحالي. أما الطبقات العاملة والمناطق التي تفتقر للتنمية والبهرجة الاجتماعية، فإرضاؤها يتمّ بإدخالها موسوعة غينيس من خلال أطول سندويشة فلافل.

*لورين بيرلانت: أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة شيكاغو، ومؤلفة كتاب التفاؤل القاسي، الذي تحدثت فيه عن أيديولوجيا الحياة الكريمة، واصفةً إياها بتطلعات الناس للرفاه الاقتصادي صعب التحقق ضمن أنظمة نيوليبرالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.