الواقع العربي

الإسلاميون انقلبوا على “الحر” أم على أنفسهم؟

هيومن فويس: أحمد عاصي

في الشهر العاشر من العام الأول من الثورة في سوريا اجتمع عدد من قيادات الثورة في إدلب في قرية كنصفرة التي كانت مع قرى أخرى قليلة لم يدخلها الجيش بعد ما جعل منها ملجأ لمعظم ثوار جبل الزاوية ومحافظة إدلب وحماه بشكل عام وكان من الشخصيات الاعتبارية التي حضرت الاجتماع ذلك الوقت حسان عبود أبو عبد الله الحموي أمير أحرار الشام فيما بعد وأحمد الشيخ أبو عيسى قائد صقور الشام أهم فصيلين إسلاميين على الساحة السورية.

إضافة إلى جمال معروف أحد رموز الجيش الحر لاحقا وغيرهم من القيادات. كان المشهد في محافظة إدلب مشوشا بشكل كبير لا أحد يعرف الخطوة التالية التي يجب أن يخطيها والجيش قد سيطر على قرى جبل الزاوية بشكل كامل وتمركز فيها بطريقة تدل على أن وجوده سيستمر زمن طويلا وأنه لن ينوي الخروج بإرادته ما دفع العديد من شباب جبل الزاوية لأن يلجؤوا إلى الكهوف والأحراش المنتشرة بكثرة في جبل الزاوية وليحملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضوا لهجوم أو اقتحام لأحد المناطق التي يختبؤون بها من قبل وحدات مشاة من الجيش المنتشر في معظم قرى الجبل.

والتي كثيرا ما كانت تتردد بين الفينة والأخرى ثم بدأ الشباب المسلحون يجتمعون في قرية كنصفرة ليتخذوا منها معقلا لهم وحاولوا أن يحصنوها بالإمكانيات البسيطة المتوفرة لديهم مع ارتقاب دائم لدخول الجيش في أية لحظة.

في هذه الفترة بدأ يظهر في كل منطقة شخص له رمزية معينة وبدأ بشكل تلقائي يأخذ دور فعال بين أبناء قريته والقرى المحيطة ثم ليصبح بعد فترة قائدا يأتمر بأمره عدد من الشباب الذين حملوا السلاح ثم بدأ النظام في هذه المرحلة يروج وبقوة إلى أن كل من يحمل السلاح هم عصابات إرهابية لها ارتباطات خارجية وبدأت هذه الإشاعة تلقى آذان صاغية الأمر الذي دفع قيادات الثورة لهذا الاجتماع الذي أفضى في نهاية المطاف إلى أن يعلن على الإعلام عن تشكيل كتائب عسكرية باسم الجيش الحر تروج هذه الكتائب على أنها عناصر رفضت الانصياع للأوامر العسكرية في قتل الثوار والمدنيين وانشقت عن النظام لتشكل جيشا حرا يعمل على حماية المدنيين ثم تنتفي بذلك صفة الإرهاب عن الناس الذين فرض عليهم الواقع أن يحملوا السلاح علما أن المنشقين عن الجيش.

في ذلك الوقت لم يزد عددهم عن أصابع اليدين. ولا زلت أذكر جيدا اتفاق المجتمعين في ذلك الوقت على أن ثورتنا ثورة شعب مضطهد وليس لأحد أن يستغلها أو يستثمرها أو يجيرها في الاتجاه الذي يريد وليس لها هدف إلا اسقاط النظام وتحرير الشعب من قيود الذل والعبودية التي فرضت عليه بقوة السلاح طوال عهد آل الأسد واتفاقهم على أن يعمل كل في منطقته إلى أن يتم تحرير الشمال السوري كاملا ليجتمعوا بعده في جيش واحد يحرر باقي المناطق.

في ذلك الوقت لم يكن على امتداد الثورة أي وجود لعنصر أجنبي أي كانت جنسيته عربيا كان أو أجنبيا ومن كان يأتي من خارج سوريا كان وجوده سريا لا يعلم به أحد إلا أشخاص معدودين على أصابع اليد وكان السوريون بكل أطيافهم وتوجهاتهم مجمعين على أن ثورتهم لا تهدف إلا لإسقاط النظام وإنهاء حالة الطوارئ التي أرغم عليها البلد لأكثر من خمسين عام.

ثم مع بداية الشهر الحادي عشر من العام نفسه بدأت الثورة تنحو منحى آخر مع بداية دخول معلن لعدد من الشخصيات التي قُدّمت لي أصحابها في ذلك الوقت على أنهم مجاهدين خبروا ساحات الجهاد في معظم بلاد العالم الإسلامي وجاؤوا لمساعدة الثوار في سوريا وتقديم نصائح لهم تساعدهم في معركتهم الغير متكافئة وبين هؤلاء شخصية جهادية ليبية ذائعة الصيت ثم تبعها وجود أبو بصير الطرطوسي وعدد من الشخصيات الجهادية المعروفة بارتباطها الوثيق بالقاعدة وغيرها من التيارات الجهادية.

لكن كان عمل تلك الشخصيات فردي ليس له أي تأثير يذكر وكان تواجدهم الأساسي في جبل الأكراد ولم يكن قد ظهر حتى نهاية العام الأول مصطلح الجاهد والمجاهدين إنما كان اللفظ الشائع الثورة والثوار. ثم ليتبين فيما بعد أن الطعنة الكبيرة التي استطاع هؤلاء أن يوجهوها للثورة هي إقناع الناع بأنهم ليسوا ثوار بلهم مجاهدين وأنه مشروعهم ليس اسقاط النظام وحسب بل عليه يتوقف اسقاط العديد من المشاريع الفاسدة في المنطقة.

وإن يكن هذا الكلام صحيحا في ظاهره لكنه كان حملا ثقيلا لا يقوى عليه الثوار في سوريا من جهة ومن جهة أخرى فهو الفخ الذي كان يسعى النظام ومن يقف وراءه لإيقاع الشعب الثائر فيه. لم يكن عام ألفين واثني عشر كغيره من أعوام الثورة لقد كان عاماً فارقاً دُقت فيه أهم الأسافين في نعش الثورة.

لقد بدأ فكر القاعدة بالانتشار في المنطقة بشكل كبير على غفلة من الثوار السورين وغياب مشروعهم ورؤيتهم لعدم تجربتهم السابقة وقلة خبرتهم في هذا المجال ثم وجد قادات الثورة أنفسهم أمام امتحان كبير ولا سيما مع انتشار الفكر الجهادي وتوغله في عدد كبير من صفوف حملة السلاح الأمر الذي دفع بالقادات الاسلاميين لأن يخطوا لهم طريقا واضحا يثبتوا من خلاله أنهم اصحاب مشروع إسلامي واضح وأن جهادهم لن يقتصر على سوريا وحسب بل بدأت تتردد فكرة تحرير الأقصى واستعادة البلاد المحتلة والجهاد العالمي بشكل كبير ثم بدأت الكتائب ذات الطابع الإسلامي تتنصل بشكل أو بآخر من تسمية الجيش الحر علما أن ما يعرف بالجيش الحر لم يكن بالحقيقة إلا هؤلاء الثوار أنفسهم الذين أصبحوا فيما بعد محسوبين على التيارات الإسلامية التي تقاتل في سوريا.

علما أن عدد الضباط والعناصر المنشقين في ذلك الوقت لم يصل إلى تعداد كتيبة صغيرة. أدرك عدد من علماء الثورة وبعض قياداتها حقيقة ما جرى والخطأ الكبير الذي وقعوا به لكن بعد فوات الأوان ففي حديث مطول مع أحد الشخصيات المعروفة قال لي في معرض الحديث عن الجيش الحر والصراع معه لقد سفكت دماء كثيرة وأخشى أن الله سيحاسبنا عليها.

لقد زاودنا على الناس بما فيه الكفاية حتى بعث الله لنا من يزاود علينا بأضعاف مضاعفة في إشارة منه إلى داعش تنظيم الدولة الإسلامية ويجب علينا أن نسعى بكل ما نملك لتدارك الأمر وإعادة الثورة إلى خطها الأول وحقن ما يمكن حقنه من دماء السوريين. مع بداية عام ألفين واثني عشر بدأت الحزبية تتجذر بشكل واضح في الكتائب العاملة على الأرض وأصبحت لفظة الجيش الحر تهمة بحد ذاتها يتبرأ منها الجميع باستثناء بعض الفصائل التي لم تجد غايتها عند الفصائل ذات التوجه الإسلامي فاستمرت على مسمى الجيش الحر.

ولكن بالوقت ذاته انحرفت هذه الفصائل أيضا عن خط الثورة وساءت سمعتها وزادت أعمالها التشبيحية في مناطق سيطرتها الأمر الذي دفع الفصائل الإسلامية التي وصلت إلى حد كبير من التشدد للقضاء عليها بعد أن تحول الأمر إلى صراع علني بين الفصائل نفسها مع تتابع مراحل الثورة.

ثم لينتهي المطاف والحال في سوريا إلى انقسام فكري وايديولوجي واسع إن عرف له بادية فإن نهايته لا تزال مجهولة المعالم وليتحول الجيش الحر من ستار يختبئ تحته الثوار ليخفوا توجهاتهم الإسلامية إلى عدو يحارب باسم الكفر والردة والتآمر على الإسلام والمسلمين ولتبدأ حلقة من الصراع الداخلي بين الفصائل والكتائب التي من المفترض بها أنها تقاتل في خندق واحد ضد عدو لا يفرق بين أحد منها ولصبح قتال النظام هدفا ثانويا من أهداف الثورة وتنحسر المناطق التي يسيطر عليها الثوار من ثلاثة أرباع سوريا إلى جزء صغير وتتحول الفصائل المسلحة الموجودة في سوريا من فاعل حقيقي إلى أداة تتحرك ضمن المشروع الدولي الذي يعبث بالبلد من غير حول لها ولا قوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *