دراسات

النص الأدبي بين رقابتين: القارئ والكاتب

لطالما سمعنا بأن شركات الطعام الكبرى توظف عاملين مهمتهم هي تذوق منتجات الطعام المصنعة للتحقق من جودة طعمها ونكهتها قبل طرحها للأسواق، وكذلك هو الحال بالنسبة لشركات مستحضرات التجميل فإنها تضم بين جنباتها موظفين تكون وظيفتهم اختبار هذه المستحضرات الجديدة، قبل تقديمها للمستهلك، وتزويد الشركة المصنعة، أو خبراء التسويق بتقارير حول هذه المستحضرات، ومدى جودتها، ومزاياها، وعيوبها، إن وجدت. شركات إنتاج العطور، هي الاخرى، تستوظف خبيرا يسمى أحيانا (الأنف) تكون وظيفته خلق خلطات العطور. وعادة ما يتمتع هذا الأنف بحاسة شم قوية، وبمهارة في تحضير خلطات عطرية مميزة وجديدة.
لكن كم منا سمع بقارئ متذوق لاختبار حساسية النص الأدبي قبل نشره. يقال إن بعض الكتاب والناشرين يعمدون للجوء إلى استخدام قارئ (الحساسية) قبل نشر النصوص الأدبية للتأكد من أن كاتب النص لم يسئ، دون قصد، لأصحاب ثقافة ما. القارئ هذا ما هو إلا محرر مساند تستوظفه بعض دور النشر، أو يستعين به مؤلفو الكتب الأدبية للتأكد من خلو النص الأدبي من الإشارات والقضايا التي لا تتناسب مع عمر القارئ، أو القضايا التي قد تؤدي إلى إثارة حساسية بعض الأعراق، أو الأديان، أو الثقافات، أو المجموعات المهمشة، ما قد يؤدي إلى مهاجمة الكتاب، وربما حظره، أو تقييد توزيعه، أو تعرض مؤلف الكتاب للهجوم، أو التهديد، أو القمع، أو التصفية.

يظن بعض المختصين والخبراء، أن كل كاتب لا بد له من الاستعانة بقارئ لقياس حساسية النص الأدبي قبل أن يكون متاحا للقراء، خصوصا ونحن نعيش في عالم يعج بمنصات التواصل الأجتماعي، التي يمكن لمنشور واحد فيها أن يفجر نوبة من الغضب، ويستفز دعوات لحظر كتاب هنا، وقمع كاتب هناك. وهكذا فهم يرون أن قارئ الحساسية يصبح ضروريا، لاسيما إذا كان الكتاب موجها لشريحة من القراء سريعة التأثر والانفعال، ما قد يعرضها لهزة عاطفية عنيفة عند قراءة نص مليء بقضايا، أو إشارات، أو تلميحات تتعارض مع ثقافة، أو خلفية هذه الشريحة، ما قد يجعل الأمور تتطور وتتفاقم إلى ما لا يحمد عقباه. إن استخدام قراء لاختبار حساسية النصوص الأدبية لم يبدأ إلا كأجراء شكلي حسب، لكنه تطور في ما بعد ليتخذ شكلا منظما أكثر من ذي قبل وذلك باستخدام قراء خبراء لقياس حساسية نصوص، يكونون إما متخصصين بموضوعاتها، أو يتشاركون مع شخصيات العمل الأدبي بخلفية ثقافية معينة. إن لجوء كتاب النصوص الأدبية لقارئ متذوق لقياس حساسية النص الأدبي، ما هو إلا إدراك للخطورة التي تنطوي عليها كتابة عمل أدبي سيطلع عليه ملايين الأفراد والمجتمعات.

ومن القضايا التي ما زالت مثارا للجدل في عالم الأعمال الأدبية هو مخطوطات النصوص الأدبية التي تنشر بأسماء وهمية، أو دون اسم، أو تلك التي يتركها كتابها دون نشر، والتي لا يعرف جمهور الناس بوجودها، إلا بالصدفة، إما بعد وفاة الكاتب وحرص ورثته مثلا، أو أصدقائه على نشر ميراثه، أو أن المخطوطة تكون مفقودة مثلا ولا يعثر عليها، إلا بعد سنين من الضياع. كثير من هذه الأعمال الأدبية يكون كاتبها قد اختار عدم نشرها لتجنب التعرض لهجوم، أو تهديد، أو حظر، أو تصفية، لأن الكاتب كان قد أدرك أنها تضم بين جنباتها أفكارا، أو قضايا قد تكون صادمة، أو خادشة، أو غير مقبولة، أو مثيرة للحساسية، أو للحزازات، أو النزاعات.

إن خيار الكاتب بأن لا ينشر أحد أعماله، أو مجموعة من أعماله ويخفيها، أو يحرقها، أو يطمرها، ما هو إلا نوع من أنواع الرقابة الذاتية التي يمارسها الكاتب على نفسه، والتي يقرر بموجبها عدم صلاحية عمله للنشر في مرحلة زمنية معينة، أو في مجتمع معين. وهو بذلك يتقمص دور الرقيب الصارم، ويقرر إخراس نفسه بنفسه لتجنب الخوض في حقل من الألغام، ومناقشة قضايا قد تعرضه للأذى، أو المساءلة، أو المحاكمة، أو الفصل من الوظيفة، أو النفي، أو الغرامة، أو السجن، أو ربما هدر الدم، مثل قضايا العقيدة الدينية، أو الهوية الجنسية، أو تغيير النظام السياسي، أو الرق والعبودية، أو العدالة الأجتماعية، أو إزالة الطبقية.

بعض اللغويين يرى أن كاتب النصوص الأدبية يمكنه تسهيل مهمته في الكتابة عندما يضع نصب عينيه جمهور القراء الذين يخاطبهم ويكتب لهم، فيأخذ بنظر الاعتبار نوعهم، وعمرهم، وجنسهم، ومستواهم الفكري والثقافي. كتاب مثل أولئك المتخصصين بكتابة أدب الطفل، والناشئة، والمرأة، يفعلون ذلك. قسم آخر من الكتاب يلجأ للرموز والأستعارات البلاغية، والتورية، والصور المبتكرة، والدلالات الشائكة من أجل الفكاك من كل رقابة ملاحقة له. فترى أدبه مستغلقا، عصيا على الفهم، إلا ممن له موهبة وبصيرة تمكنه من فك هذه الشيفرات والرموز.

بعض اللغويين يرى أن كاتب النصوص الأدبية يمكنه تسهيل مهمته في الكتابة عندما يضع نصب عينيه جمهور القراء الذين يخاطبهم ويكتب لهم، فيأخذ بنظر الاعتبار نوعهم، وعمرهم، وجنسهم، ومستواهم الفكري والثقافي. كتاب مثل أولئك المتخصصين بكتابة أدب الطفل، والناشئة، والمرأة، يفعلون ذلك.

المعارضون للقارئ المتذوق، أو للرقابة الذاتية يرون أن العمل الأدبي ما هو إلا نتاج شغف الكاتب بقضية ما، ورغبته في سبر أغوار هذه القضية. معارضون آخرون يعتبرون أن إحدى وظائف العمل الأدبي، ما هي إلا العمل على إزالة الحواجز بين الأفراد والمجتمعات، وخلق عالم أكثر إنسانية وأكثر تفهما. آراء معارضة أخرى تجادل بأن الأعمال الأدبية ليس الهدف منها إلا تحرير الإنسان عبر خلق وعي جديد. فإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن الكاتب لا يمكنه أن يكتب، إلا إذا توفرت له حرية مطلقة، دون أن يضع في حسابه أن نصه سيكون جارحا، أو مؤذيا، أو صادما لقارئ هنا، أو مجتمع هناك، أو لثقافة قد لا يدري هو بوجودها، ودون أن يكون الرقيب، أو حساسية النص في رأسه وهو يكتب.

الكثير من الكتاب يعتبرون الرقابة الذاتية التي يفرضها الكاتب على نفسه عند الكتابة، ما هي إلا ممارسة لفعل الإنكار وطمس الرأس في الرمال، بتجنب الخوض في مواضيع قد تعتبر مجلبة للحساسية والتوتر. فهي تجعل الكاتب وكأنه لا يرغب في أن يرى، أو يسمع، أو يعرف ما يدور حوله في مجتمعه من فوضى، أو خراب، أو قبح، أو فساد. فوظيفة الكاتب كما يرى معظم الكتاب والنقاد هي الكتابة عن تلك الزوايا القصية البعيدة عن الأعين، وكشف المستور والمسكوت عنه في مجتمع ما من بؤر للفساد، أو الجريمة، أو المخدرات، أو الدعارة، أو المصابين بالأمراض العقلية والنفسية، أو الاغتصاب، أو التمييز، أو العنصرية، وغيرها من النقاط المعتمة والشائكة.

فكتابة الأعمال الأدبية هي مجازفة بحد ذاتها، لأنها تنطوي على عملية خلق شيء جديد، وهذا لا يعني إلا السير في أرض مجهولة لم يطأها أحد من قبل. فالكاتب لا يكتب لكي يعجب الناس، وإنما يكتب لكي يخرج صوته للعالم، وبالتالي فإن اللائمة لن تقع على الكاتب عندما يقوم أفراد من جمهوره بتقليد شخوص أعماله، أو محاكاة أفعالهم المشينة.

فمدى تأثر الجمهور بالعمل الأدبي والطريقة التي يتأثر بها تبقى محكومة بالكثير من العوامل والمسببات الخارجية الاخرى. كذلك فإن معظم الكتاب يرون أن بعض المشاهد في الأعمال الأدبية لا يمكن للكاتب حتى لو أراد أن يقصها، أو يحورها دون أن يؤثر ذلك في حبكة العمل الأدبي، وتطور الأحداث والشخصيات فيه، ما يضطر الكاتب في معظم الأحيان للمجازفة بإدراج شخصيات، أو أحداث يعتبرها ضرورية، ولا يمكن استبعادها من العمل الأدبي لجعله أكثر نضجا، أو أكثر تشويقا وإثارة. فالكثير من الكتاب يعتبر الكتابة نوعا من أنواع ممارسة حرية قد لا يملكها في حياته الواقعية، وقد يعتبرها البعض الآخر شكلا من أشكال الاستشفاء والعلاج، بإخراج كوامن السموم التي يضيق بها الجسد وتنبذها الروح.

فريق آخر من الكتاب يرى أن من حقه أن يحرث أعماقه حرثا موجعا، وأن يستخرج كل ما يستطيع الوصول له من نفائس، وأن الكتابة ما هي إلا أداة يستعملها لإطلاق صوته حرا مدويا يعبر به عن حقيقته، وكيف يرى العالم، ما سيجعل عمله يمس القارئ المتلقي بسهولة ويسر.

كل هذه القضايا تجعل الكثير من الكتاب يستنكر، أو يستهجن فكرة استخدام الكاتب لقارئ متذوق لقياس حساسية النص الأدبي، وفكرة رقابة الكاتب الذاتية على نصه، ويرون أن القارئ المتذوق، والرقابة الذاتية ما هما إلا شكل مبطن وماكر من أشكال رقابة التطهير التي يراد فرضها على الأعمال الأدبية فرضا لقمع الخيال وتجريمه، وللتدخل في الاستقلالية الإبداعية للكاتب، وسرقة رؤاه وتحويرها. فهم يعتبرون أن هاتين الرقابتين تعتبران شكلا من أشكال السيطرة الفكرية، والرغبة في تدجين الكاتب وترويضه حتى يصل لمرحلة لن يعبأ بعدها أن يكتب، أو أن يعبر عن فكره.

القدس العربي: شهباء شهاب كاتبة من العراق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *