مقالات

قرارات أوباما الخاطئة مع روسيا في سوريا

تلفزيون سوريا: رضوان زيادة

أعمل على ترجمة كتاب “من الحرب الباردة إلى السلام الحار” للسفير الأميركي السابق في روسيا خلال فترة الرئيس أوباما، وقد أوقفني الفصل الخاص بسوريا الذي يتحدث فيه عن الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في علاقتها مع روسيا، وتسليمها الملف السوري بحجة الضغط على النظام، وجدت من المفيد جدا هنا مشاركتها مع جمهور أوسع من قراء موقع تلفزيون سوريا.

يقول السفير ماكفول في فصله المخصص عن سوريا:

لقد كان سعينا لجعل روسيا لاعباً محورياً في سياستنا في سوريا أحد الأخطاء التي اقترفناها. فمع احتدام الصراع وتحوله نحو العنف، توصلنا إلى أنَّ الاعتماد على روسيا يمثل الطريقة الوحيدة للضغط على الرئيس بشار الأسد للتفاوض مع المعارضة حول نظامٍ سياسيٍ جديد. فنحن لم نكن نمتلك علاقاتٍ قويةٍ مع الأسد حكومةً وَجيشاً، في حين امتلك الكرملين هذه العلاقات القوية، أو هذا ما ظنناه، وَلعل ذلك ما جعلنا نقتنع باستخدام ذلك التأثير لإقامة صفقةٍ بين بطانة الأسد وَالمعارضة. إلا أننا حين ننظر الآن إلى هذا المنظور السابق ندرك خطأه. فلقد بالغنا بتقدير نفوذ موسكو على نظام الأسد، وَأسأنا فهم نوايا بوتين. وَفي8 آب، 2011، صرح الرئيس أوباما، “على الأسد الرحيل”. غيرَ أن بوتن أراد عكس ذلك: إبقاء الأسد في السلطة. فقد سيطر هذا الخلاف الجوهري على جهودنا الدبلوماسية مع روسيا فما يتعلق بالشأن السوري خلال فترة وجودي في الحكومة وَاستمر بعد مغادرتي أيضاً.

اتخذ الرئيس أوباما قراره بأنَّ تسليح المعارضة السورية من شأنه جعل الأمور أكثر سوءاًـ وَلن يساعدنا في الضغط على الأسد للتفاوض

أما قرارنا الرئيسي الثاني وَالذي أسفر عن تبعاتٍ سلبيةٍ طويلة الأمد فقد كان رفضنا تزويد المعارضة المعتدلة، الجيش السوري الحر، لدى تحول التظاهرات السلمية إلى حربٍ أهلية، بمعداتٍ عسكريةٍ ثقيلةٍ وَغيرها من المساعدات البارزة الأثر. لقد قمنا في نهاية الأمر، بتقديم المساعدات، بيد أنها لم تكن مساعداتٍ كبيرةٍ مؤثرة. فخيارنا باتباع هذه الاستراتيجية لم يكن ليتطلب الحصول على مباركة بوتين أو قراراً من مجلس الأمن.

إذ كان بمقدورنا العمل بمفردنا أو التنسيق لذلك بالتعاون مع شركائنا في الشرق الأوسط وَأوروبا. وَفي ربيع عام 2012 أشارَ بعض كبار المسؤولين في إدارة أوباما بتقديم مساعداتٍ عسكريةٍ أكبر للثوار السوريين، ليس بهدف مساعدتهم على هزيمة الأسد، بل كطريقةٍ لإجبار الحكومة السورية على الجلوس إلى مائدة المفاوضات. فقد كنا بحاجةٍ إلى وصول الوضع في ساحة المعركة إلى طريقٍ مسدودٍ لإرغام نظام الأسد على التفاوض. أضف إلى ذلك، أنَّ تسليح المعارضة المعتدلة كان بوسعه مساعدتهم للحصول على ميزةٍ غير متاحةٍ للجماعات المتطرفة التي أخذت تظهر بشكلٍ سريع. وَفي ذلك الوقت، اتخذ الرئيس أوباما قراره بأنَّ تسليح المعارضة السورية من شأنه جعل الأمور أكثر سوءاًـ وَلن يساعدنا في الضغط على الأسد للتفاوض.

أضف إلى ذلك أيضاً أن الرئيس كان قلقاً أيضاً من احتمال وقوع أسلحتنا في أيدي الإرهابيين. كيف ستكون ردة فعل العالم في حال أصابت إحدى مضاداتنا الجوية طائرةً مدنيةً وَأسقطتها؟ لقد كان أوباما محقاً بتخوفه من هذا المنزلق المرعب، وَتحول الصراع إلى فيتنامٍ آخر، أو بتعبيرٍ أكثر ملاءمةٍ، أفغانستانٍ آخر. خلال الثمانينيات قامت إدارة ريغان بتسليح المجاهدين في أفغانستان لقتال المحتل السوفييتي وَالنظام العميل (الدولة الدمية)، وَحققوا النصر في نهاية المطاف. وَبعد عودة الجيش الأحمر إلى أرض الوطن وَخسارة بدائله في كابول للسلطة، قامت طالبان بملأ الفراغ في السلطة، لتقوم لاحقاً بدعوة القاعدة للاستقرار فيها. وبدورها قامت القاعدة بمهاجمتنا في 11 أيلول، عام 2001. لقد رغب أوباما في تلافي تكرار وقوع تلك المأساة.

وَمؤخراً، لم يسفر تدخلنا العسكري في ليبيا عن تحقيق النتائج المرجوة، مما جعل الكثيرين في واشنطن، بمن فيهم أوباما يتخوفون من التورط في حربٍ أهليةٍ أخرى. وَعموماً، جاء في تقرير الدراسة التي كَلَفَ أوباما القيام بها أنه من المستبعد أن تسفر مساعدة الثوار عن إحلال الديمقراطية. كما أنَّه من الوارد أن يؤثر تدخلنا في سوريا على مفاوضاتنا مع إيران بشأن برنامج أسلحتها النووية. ففي نهاية المطاف، من المحتمل أن يؤدي قيامنا بتصعيدٍ عسكريٍ إلى صدامٍ عسكري ٍ مباشرٍ بين شركائنا السوريين وَالجنود وَالميليشيا الإيرانية الذين يساعدون في الدفاع عنهم.

أخيراً، يجب علينا ألا ننسى أن أوباما كان يقرأ الكثير من التقارير – المُعدة داخل وَخارج الحكومة الأميركية – وَالتي أفادت بأنَّ المعارضة كانت على وشك كسب المعركة. فحسب ما ذكرته كلينتون في مذكراتها، “خلال أولى أيام القتال تنبأ كثيرون بأن سقوط الأسد كان أمراً حتمياً”. وَاستناداً إلى هذه التخمينات، فما الدافع لتعقيد الأمور – ما الداعي لإضعاف صدقيّة المعارضة – من خلال تدخلنا عسكرياً؟

إلا أنَّ الأسد لم يسقط. فحكمُنا عليه بالضعف لم يكن صحيحاً. وَلذلك، وَمع استمرار دوران طاحون الحرب، انتهى بنا الأمر بالانخراط في القتال، وَلو كان بشكلٍ تدريجيٍ وَهامشي. فلقد وافق الرئيس على مساعدة الثوار، إلا أنَّ النتيجة المرجوّة المتمثلة بهزيمة الأسد أو على الأقل جرّ الحرب إلى نقطةٍ مسدودةٍ لم يتم تحقيقها حتى آخر يومٍ لي في الحكومة وَلم يتم بلوغها حتى يومنا هذا.

أما القرار الرئيسي الثالث الذي اتخذناه فقد كان طلب موافقة مجلس الأمم على جميع ما يتعلق بالشأن السوري، بما في ذلك التدخل الخارجي. فقد آمن أوباما بالأمم المتحدة وَلم يشأ أن يتصرف بمفرده. وَبسبب التزامنا بهذا المبدأ فقد منحنا الروس استخدام الفيتو ضد تحركاتنا، فكان ذلك سلطةً استعملوها لمنع أي ممارسةٍ عسكرية، وَلعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وَمنع العديد من التحركات السياسية الهادفة للضغط على الأسد للتفاوض. بل إنَّ مجرد اتخاذ مجلس الأمن قراراً يدين الأسد لانتهاكه لحقوق الإنسان قد ثبت أنه أمرٌ مستحيل. وَذات مرةٍ أظهرت وزيرة الخارجية كلينتون في الأمم المتحدة اشمئزازها من التعنت الروسي حيال الشأن السوري في الأمم المتحدة واصفةً إياه بـ”الشائن”.

روسيا لم تدعم أبداً استخدام القوة في سوريا، وَلم نكن جاهزين للقيام بذلك دون مساندةً من مجلس الأمن في الأمم المتحدة

بيدَ أنَّ قرار أوباما هذا بعدم التحرك في سوريا إلا بدعمٍ من مجلس الأمن يتعارض مع مبدأٍ آخر لأوباما – حق التدخل العسكري لوقف انتهاك حقوق الإنسان- فحسب ما صرح به علناً في خطابه الذي ألقاه في حفل تلقيه لجائزة نوبل للسلام، ” إني لأؤمن بإمكانية تبرير استعمال القوة عندما يكون ذلك لأسبابٍ إنسانيةٍ، كما حدث في البلقان، أو في أماكن أخرى أفزعتها الحرب. فالتراخي وَالتقاعس يمزق ضمائرنا وَمن الممكن أن يؤدي إلى تدخلٍ أبهظَ ثمناً لاحقاً”.

لقد طبقنا هذا المعيار في ليبيا، نوعاً ما بسبب إذعان روسيا في مجلس الأمن. غير أنَّ روسيا لم تدعم أبداً استخدام القوة في سوريا، وَلم نكن جاهزين للقيام بذلك دون مساندةً من مجلس الأمن في الأمم المتحدة. وَقبل وقتٍ ليس بالقصير من عودة بوتين إلى كرملين في ربيع عام 2012، رفض ميدفيديف التعاون معنا في مجلس الأمن بخصوص أي نوعٍ من التحركات العسكرية في سوريا استناداً إلى تجربته المريرة في دعم تحركاتنا العسكرية في ليبيا. فانهيار النظام، إضافةً إلى إعدام القذافي في أعقاب حملة القصف التي شنناها هناك، قد شكّل نقطة تحولٍ رئيسيةٍ في العلاقات الأميركية-الروسية.

فمن خلال الامتناع عن التصويت لقراري مجلس الأمن 1970 وَ1973، كان ميدفيديف قد صدَّق تكتيكياً على خططنا العسكرية في ليبيا، إلا أنه شعر لاحقاً أننا قد غدرنا به – ليس من دون سببٍ – عندما خرجت المهمة عمّا ظن أنه فحوى هذين القرارين. لقد خرجت مجريات الأحداث في ليبيا عن نطاق سيطرتنا أيضاً. فلدى بدء انهيار ليبيا حكومةً وَدولةً، لم يكن لدينا خطةً شاملةً لإعادة إعمار ليبيا ما بعد الحرب، الأمر الذي يرجع لدرجةٍ كبيرةٍ لانعدام نوايانا بنشر جنودنا على أراضيها. كما أن الليبيين بدورهم لم يرغبوا في وجودنا هناك. ففي بادئ الأمر، بدا أنَّ الانتقال إلى نظامٍ سياسيٍ جديدٍ في ليبيا أمرٌ من المتوقع نجاحه.

فلم يكن ثمة أي حاجةٍ لوجود قوات حفظ سلامٍ دوليةٍ وَبناةٍ للدولة. لكن ما إن بدأ انهيار الدولة وَاشتعل القتال بين المجموعات شبه المسلحة المتحاربة، توترت علاقاتنا مع روسيا. لقد شعر بوتين باستياءٍ خاصٍ من ممارساتنا في ليبيا. وَلم يكن مستعداً للسماح بأن يتكرر ما حدث في ليبيا مرةً أخرى في سوريا. وَعلى الرغم من المحاولات العديدة، لم يكن ثمة أي إمكانيةٍ أبداً لإصدار مجلس الأمن قراراً باستخدام القوة في سوريا. لقد كنا نضيع وقتنا في محاولتنا لاستصدار قرار كهذا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *