سياسة

عيد ميلاد “بوتين” السبعين ولكن!

نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا أعده مارك بينتس، قال فيه إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي سيحتفل الجمعة بعيد ميلاده السبعين، لن يجد الكثير لكي يحتفل به.

وقال إن بوتين مرّت عليه أيام كان يحتفل فيها بعيد ميلاده، بالتوجه لبراري سيبريا مع صديقه ووزير دفاعه سيرغي شويغو، حيث يبحثان عن مكان لصيد السمك. ولكن ليس غدا، وأيضا ليس في وقت تخوض فيه قواته حربا في أوكرانيا وتواجه انهيارا وتراجعا. ولا فرصة لديه للاحتفال في وقت ظهرت المواقف الغاضبة من المتشددين حول فشل القوات الروسية على خطوط القتال ويطالبون بجمجمة شويغو.

فبعد قضاء ثلاثة أعوام معزولا بشكل شبه كامل في مقر إقامته بموسكو وشوشي، سيجد بوتين المطّلق وبعدد غير معروف من الأطفال من زوجته السابقة، وعشيقتين على الأقل، سيجد عينه محدقة على كتاب كتبه ربما إيفان إيلين، القومي الروسي المتشدد، والفيلسوف الذي وصف الفاشية مرة بأنها “صحية وضرورية وظاهرة حتمية”.

ويبدو أن بوتين يعود لأفكار إيلين مع تزايد هوسه بأوكرانيا والغرب وإرثه السياسي. فإيلين الذي اعتقد أن على الشعب الروسي “الحب والثقة” بزعيمهم بدون شروط، واستشهد به بوتين في خطابه الذي أعلن فيه عن ضم أربع أقاليم في أوكرانيا. وقال: “روح روسيا هي روحي”، و”هي قدري، وألمها هو ألمي، وازدهارها مصدر بهجتي”، لكن لا يوجد أي شيء يعبر عن ازدهار في الكرملين اليوم، فبوتين الذي استمع مرة لمستشاريه وقادته، إلا أنه يتخذ القرارات بنفسه.

وعادة ما لا يعرف المسؤولون بقراراته ونواياه إلا في وقت متأخر أو عند إعلانها، كما تقول تاتيانا ستانوفايا، المحللة السياسية الروسية. وأشارت إلى الرسائل الغامضة من الكرملين قبل إعلان ضم الأقاليم الأربعة، عندما بدا أن بوتين قد يؤخر الإعلان عن قراره. وهذا “ليس صورة عن تردد، ولكنه تعبير عن عدم إخبار بوتين أي شخص ينتظر أوامره”، كما قالت.

وزاد بوتين من مخاطر الحرب النووية لأعلى مستوياتها منذ الحرب الباردة. ففي حفلة موسيقية للاحتفال بالضم في الأسبوع الماضي، هاجم “الشيطانية المطلقة” للدول الغربية، و”تخليها عن الإيمان والقيم التقليدية”. وتحدث عن سابقة مشؤومة عن استخدام أمريكا السلاح النووي ضد ناغازاكي وهيروشيما في الحرب العالمية الثانية. وكان أكثر الخطابات شدة التي ألقاها بوتين خلال 22 عاما من حكمه، وأثار مخاوف من وضعه العقلي.

وقالت كاسينا تورستريم، السياسية المعارضة في سانت بطبرسبرغ: “كيف وصلنا إلى هذه النقطة حيث يحكم بلدنا رجل عجوز مجنون لديه سلاح نووي؟”.

ولد بوتين في سانت بطرسبرغ عام 1952، ووصف طفولته كـ”قاطع طريق” حيث تعلم فنون الدفاع عن النفس في مدرسة. لكن عنفه لم يكن مقتصرا على سجادة لعبة الجودو، بل من خلال المشاجرات التي كان يفتعلها في شوارع مدينته، والتي غرست في داخله العقيدة التي ظهرت من خلال حكمه الطويل، “اكتشفت أنه في كل وضع، سواء كنت محقا أم على خطأ، علي أن أكون قويا وقادرا على الرد” وهذا ما قاله عام 2012 عندما بدأ ولايته الثالثة.

واستفاد بوتين من النهج غير المتنازل، حيث قمع بوحشية المعارضة، وحوّل المحاكم والبرلمان والتلفزة الرسمية إلى أدوات موالية له. إلا أن الحرب سببت هزّات في نظامه السياسي الذي ركّبه بدقة. وأثارت الصور للجنود الروس وهم ينسحبون بفوضوية غضبا لدى الموالين له، وأسئلة حول قوة بوتين. وأدت عمليات التعبئة لآلاف الروس إلى احتجاجات غاضبة، بما في ذلك داغستان، الجمهورية المتوترة في شمال القوقاز.

وهرب أكثر من 700 ألف شخص من روسيا في الأسابيع الماضية تجنبا للتجنيد في الجيش، حسب مصادر في الكرملين استندت عليها مجلة “فوربس روسيا”. وأدى تصاعد الأزمة إلى عدم قدرة بوتين على اتخاذ القرارات السريعة وفرض سلطته، حسب عباس غاليموف، كاتب الخطابات السابق في الكرملين، والذي يعمل محللا سياسيا: “لا أحد يعرف ماذا سيفعل بوتين، وعادة ما لا يعرف هو نفسه ماذا سيفعل”، مضيفا: “فقد السيطرة، والقوى التي أطلق العنان لها أصبحت قوية وخارجة عن سيطرته، بل تسيطر عليه”.

وليس من الواضح إن كان بوتين يستمع لأحد، وتشير المصادر المطلعة في موسكو إلى أن النخبة المحيطة به تعاني وبشكل متزايد من التشوش واليأس.

وتقول فريدة رستموف، الصحافية الاستقصائية الروسية: “هناك غياب كامل في التسيق، وهي حالة فوضى شاملة، حيث يخبر بوتين كل واحد من حاشيته أمرا مختلفا”. وتضيف: “لا أحد يستطيع توضيح أي شيء لأحد”.

ورغم تمتعه بشعبية واسعة في روسيا، إلا أن هناك حسّ بأن أعضاء داخل النخبة السياسية باتوا يعتقدون أن نظام بوتين في مراحله الأخيرة. وأخبر مصدر في الكرملين موقع المعارضة ميدوزا: “هناك فهم أو تمنٍ بأنه لن يحكم الدولة في المستقبل القريب”. وهناك شائعات حول حالته الصحية التي تساهم في تردده وعدم التكهن بأفعاله.

وزار بوتين أطباء السرطان حوالي 35 مرة خلال السنوات الأربع الماضية، حسبما ورد في موقع المعارضة “برويكيت” في نيسان/ أبريل. وقالت إنه لجأ إلى حمامات دم من قرون حيوان الرّنة، وهو العلاج الذي وصفه له شويغو. وشوهد بوتين وهو “يعرج” في عدة مرات بما فيها أثناء رحلة إلى إيران في تموز/ يوليو.

ويعتبر متوسط العمر للرجل في روسيا هو 66 عاما، حسب إحصائيات الدولة. لكن بوتين وخلافا للمواطنين العاديين، تتوفر لديه كل ألوان العلاج الصحي. ويقول المحللون إن بوتين فقد الصلة بالناس التي ساعدته على بناء علاقة عاطفية مع المواطنين، إضافة لسخط النخبة. وتقول غالياموف: “في الظروف الأخرى، وعندما لا يكون لديه ما يقدمه للناس أو يطالبونه بأشياء، فإنه يفقد الاهتمام بهم”.

ووسط ترنح الاقتصاد الروسي نتيجة للعقوبات الأمريكية، فإن الثروة التي تمتع بها والنخبة حوله، قد تكون سببا في توتر وغضب اجتماعي. وحتى قبل الحرب، كان هناك غضب بسبب اعتقال ألكيسي نافالني، المعارض الذي كشف عن فساد بوتين وثروته الطائلة وقصره العظيم على البحر الأسود، مقر الإقامة الذي كلف مليار دولار، والمزوّد بمدارج هيلوكوبتر وملعب هوكي تحت الأرض، ونفق إلى البحر ومنتجع صحي ومنطقة للعلاج بالطين الصحي. وتحتوي حمامات المنتجع على فراشٍ ذهبية إيطالية الصنع تبلغ قيمة الواحدة 650 جنيها إسترلينيا، وحمالات ورق بقيمة 900 جنيه إسترليني.

وتمت السخرية من بوتين عندما قال إن أي روسي يحصل على ما يساوي 180 جنيه إسترليني في الشهر، ويعتبرون أنفسهم جزءا من الطبقة المتوسطة في روسيا. وفي حفلة موسيقية عقدت في آذار/ مارس للاحتفال بالغزو، اختار بوتين معطف لورا بيانا الإيطالي، وقيمته 10 آلاف جنيه إسترليني، وهو مستوى راتب سنوي في بعض مناطق روسيا.

ولا أحد يعرف ما إن كان بوتين سيستخدم السلاح النووي لقلب ميزان الحرب في أوكرانيا لصالح روسيا، ولا شك أنه وضع نفسه في حفرة لم يعد قادرا على الخروج منها. وتقول غالياموف: “سيفعل ما يعتقد أنه مناسب لحماية نفسه؛ لأنه لو خسر، فالنتيجة المحتملة هي أنه سيذهب إلى السجن”.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *