تحليلات

نقلة مصرية عالمية.. من أكبر مستهلك للغاز إلى ثاني أكبر منتج له!

ـ مصر تحولت من بلد مستورد للغاز وأكبر مستهلك له إفريقيًا إلى ثاني أكبر منتج وثالث مصدر له في القارة السمراء بعد اكتشاف حقل الظهر
ـ صادرات الغاز المصري ارتفعت من أقل من 500 مليون دولار في 2020، إلى نحو 4 مليارات دولار في 2021
ـ الاتحاد الأوروبي وقع مع القاهرة وتل أبيب اتفاقية لزيادة صادرات الغاز لبلدانه بعد تراجع الإمدادات الروسية
مع اشتداد أزمة الطاقة العالمية، والسعي الحثيث للدول الأوروبية لاستبدال الغاز الروسي، تمثل مصر أحد البدائل المطروحة في شمال إفريقيا، خاصة بعد تحولها السريع من بلد مستورد للغاز في 2015 إلى بلد مصدر له في 2018.

مصر التي تعتبر أكبر مستهلك للغاز الطبيعي في إفريقيا بنحو 65 مليار متر مكعب في 2021، وفق الوكالة الدولية للطاقة، تحولت إلى ثاني أكبر منتج للغاز في إفريقيا بعد الجزائر، متفوقة حتى على نيجيريا، التي تملك أكبر احتياطي للغاز في القارة السمراء.

** تضاعف الاحتياطات
احتياطات مصر تضاعفت بعد اكتشاف شركة إيني الإيطالية حقل “الظهر” الغازي، في 2015، وبداية الإنتاج رسميا في يناير/كانون الثاني 2018، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في سبتمبر/أيلول من نفس العام، بعد أن كانت تستورده ما بين 2015 و2017.

ويبلغ احتياطي حقل الظهر، الأكبر في حوض البحر الأبيض المتوسط، 30 ترليون قدم مكعب، ما رفع إجمالي احتياطيات البلاد إلى 63 ترليون قدم مكعب، بدءا من يناير/كانون الثاني 2021.

وتحتل مصر المرتبة الخامسة إفريقيا من حيث احتياطات الغاز بعد كل من نيجيريا (207 ترليونات قدم مكعب) والجزائر (159 ترليون قدم مكعب) وموزمبيق (100 ترليون قدم مكعب) وموريتانيا (100 ترليون قدم مكعب).

إلا أن قرب مصر من الأسواق الأوروبية المتعطشة للغاز، مكنها من جذب نحو 12 مليار دولار استثمارات أجنبية في حقل الظهر لوحده، والتحول بسرعة إلى أحد أكبر المنتجين للغاز في إفريقيا.

تنتج مصر 73.4 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، منها 28 مليار متر مكعب من حقل ظهر، بحسب صندوق النقد العربي، ما يتيح لها فائضا قابلا للتصدير يتراوح ما بين 8 و9 مليار متر مكعب سنويا.

ورغم أن الكمية المتاحة للتصدير محدودة ولا يمكنها تعويض الغاز الروسي المصدر إلى أوروبا، والذي يفوق 150 مليار متر مكعب سنويا، إلا أنه يساعد الدول الأوروبية خاصة إيطاليا وفرنسا في تنويع إمداداتها من الغاز.

** تقليص العجز التجاري
دخول 28 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي كإنتاج إضافي سنوي، سمح لمصر بتوفير ملايين الدولارات المخصصة لاستيراد الغاز، بل والحصول على عائدات بمليارات الدولارات من تصديره، ما ساعد على تقليص فجوة العجز التجاري الهائل للبلاد.

في 2015، عندما كانت البلاد تستورد الغاز، بلغ العجز التجاري 53.4 مليار دولار، لكنه تقلص إلى 38.3 مليار دولار في 2020، متراجعا بـ 28.3 بالمئة، بعد اكتشاف حقل الظهر وبداية الإنتاج والتصدير بكميات متصاعدة.

وتراجعت الواردات من 72 مليار دولار في 2015 إلى نحو 63.5 مليار دولار في 2020، ما يعكس التأثير الملموس لحقل الظهر في الاقتصاد المصري، إلى جانب عوامل أخرى ثانوية.

كما أن قيمة صادرات الغاز ارتفعت بنسبة مذهلة بلغت 768.2 بالمئة ما بين عامي 2020 و2021، وصعدت من 456 مليون دولار إلى نحو 3.9 مليار دولار، في نفس الفترة.

وساهمت صادرات الغاز في بلوغ مصر أكبر قيمة لصادراتها الإجمالية في تاريخها، حيث بلغت 31 مليار دولار في 2021، بزيادة تقدر بنحو 27 بالمئة.

ومع زوال تأثيرات جائحة كورونا، وتضاعف أسعار الغاز بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، فمن المتوقع أن تتضاعف أكثر مداخيل مصر من صادرات الغاز.

فقد بلغت صادرات البلاد خلال أربعة أشهر الأولى من العام الجاري، نحو 3.9 مليار دولار، أي ما يقرب من إجمالي صادرات العام الماضي بأكمله، ومن المتوقع أن يبلغ مع نهاية 2022، نحو 10 مليارات دولار.

وصدّرت مصر 8.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في 2021، و4.7 مليار متر مكعب في الأشهر الخمسة الأولى من 2022، وفقا لبيانات “رفينيتيف إيكون”، ما يجعلها ثالث أكبر مصدر للغاز في إفريقيا.

ومن شأن ارتفاع مداخيل الغاز زيادة قيمة الصادرات وخفض أكبر لعجز الميزان التجاري، لكن ذلك لن يكون له تأثير كبير بالنظر إلى التضخم العالمي لأسعار السلع التي تستوردها البلاد، ما يعني بالمقابل زيادة قيمة الواردات أيضا.

** لاعب في قطاع الطاقة
ليس فقط إنتاج وتصدير الغاز ما يجعل مصرا لاعبا أساسيا في قطاع الطاقة بحوض البحر الأبيض المتوسط، بل امتلاكها لبنية تحتية لتخزين وتسييل ونقل الغاز المسال سهل لها العودة مجددا إلى سوق تصدير الغاز على عكس دول إفريقية تملك احتياطات أكبر على غرار موريتانيا.

فبالرغم من أن اكتشاف حقل السلحفاة/احميم قبالة السواحل الموريتانية السنغالية في نفس العام الذي اكتشف فيه حقل الظهر المصري (2015)، إلا أن الأول لم يبدأ الإنتاج والتصدير بعد إلى غاية العام المقبل، بينما لم يستغرق دخول حقل الظهر سوى 28 شهرا لانطلاق الإنتاج.

فمصر كانت في فترات مختلفة من تاريخها دولة مصدرة للغاز ولو بكميات متواضعة، ما دفعها لإنشاء خزانات ومصانع تسييل الغاز وموانئ خاصة لتصديره.

لكن زيادة استهلاك البلاد من الغاز لإنتاج الكهرباء، بالتوازي مع ارتفاع عدد السكان فوق 100 مليون نسمة، أدى إلى إغلاق مصنعين لتسييل الغاز مخصصين للتصدير في 2012.

الوضع أصبح مختلفا حاليا، إذ عاد مصنعا دمياط لتسييل الغاز للعمل بطاقتهما القصوة، ما زاد في حجم صادرات الغاز المسال خاصة إلى جنوب أوروبا.

كما أن توجه مصر نحو الطاقات المتجددة سمح بتوفير كميات أكبر للتصدير، ناهيك عن الاتفاقية الموقعة بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، في يونيو/حزيران الماضي، لزيادة حجم الصادرات إلى القارة العجوز لمواجهة تراجع الإمدادات الروسية إلى أوروبا.

ولزيادة ثقلها السياسي والاقتصادي، شكلت مصر بالتنسيق مع إسرائيل “منتدى غاز شرق المتوسط” في 2019، ضم ستة أعضاء (مصر، وإسرائيل، واليونان وقبرص الرومية، وفلسطين، والأردن)، واحتضنت القاهرة مقره الرئيسي.

فاكتشاف حقل الظهر الغازي، مكن مصر من حل أزمة الكهرباء، وقلص الفجوة الهائلة بين الواردات والصادرات، ولعبت الحرب الروسية الأوكرانية دورا في زيادة الأهمية الاستراتيجية للبلاد ضمن سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة بعيدا عن موسكو.

غير أن الإنتاج الهام للغاز في مصر، والذي وضعها في المرتبة الثانية إفريقيا، يقابله استهلاك كبير، ما يقلص من حجم صادراتها التي وضعتها في المرتبة الثالثة إفريقيا.

كما أن الشركات الأجنبية تستحوذ على نصف حصص حقل الظهر، وبالتالي فإن الأرباح التي يحققها قطاع الغاز لا تستفيد البلاد منها كلها، بل يحول جزء منها إلى الخارج، ما يعكس الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد وتراجع قيمة الجنيه المصري، مع استمرار الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري.

المصدر: وكالة الأناضول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *