مقالات

قوارب الموت لا ترهبهم امام حلم اوروبا!

هيومن فويس: بقلم ريحان غضباني

انه لمن الغريب ان يأتي أحدهم ليقول ” لا تتركوا اوطانكم و تأتوا الى اوروبا ” في حين أنه هو يعيش فيها.

قرأت تدوينة لكاتبة تونسية تقطن في المانيا تقول فيها للتونسيين اللذين هاجروا مؤخرا عبر البحر في رحلات غير شرعية الى ايطاليا ” ان البقاء في تونس افضل من اوروبا و اوروبا لم يعد بها اموال وان الجالية التونسية في اوروبا يعيشون في نفس المستوى المعيشي الموجود في تونس لا بل قالت انتم تملكون اكثر مما نملك، تملكون عائلاتكم بقربكم و تراب بلادكم و طقس تونس الجميل وان اقصى طموح لدى الجالية التونسية هو عندما تحط بهم الطائرة في مطار تونس قرطاج ” طبعا هذا على حد قولها و يعبر عنها فقط و لكنها عممت الامر .

اتفهم انها تحب بلادها كأي انسان اخر و اتفهم انها تحاول اقناع الشباب بعدم المخاطرة و الذهاب بقوارب الموت و لكن ما استوقفني فعلا …ألم تسأل نفسها لماذا يخاطر هؤلاء الشباب اصلا بأرواحهم ما دامت تونس متساوية في الحياة مع اوروبا ؟ .
كلنا نعلم من خلال التجربة السورية للعائلات و الشباب الذين هاجروا من تركيا الى اوروبا ان سبب الهجرة ليس البحث عن الأمان…لأن السوري الذي هرب من سوريا و استقر في تركيا بات في أمان اذ انه لا يوجد قصف او اعتقالات او تعذيب في تركيا ورغم ذلك غامر السوري بحياته للوصول الى اوروبا !

لماذا ؟

لان تركيا لا تحمي حقوق السوري و لا تنصره علاوة على ذلك اغلبهم لا يرحبون بفكرة الغريب في بلدهم و يعتبرون ان اي محاولة انفاق من طرف الحكومة التركية على المواطن السوري ( وحتى هذا المثال غير متوفر اصلا ) امر مرفوض و التركي احق من السوري في كل شي وعليه سيتم التضييق على السوري ولن يشعر بالراحة في تركيا الا اذ ما انصهر تماما مع التركي و الغى هويته .

و حتى هذا الأمر لا يشفع للاجنبي في تركيا اذ ان الكثير من الحالات التي عاينتها بنفسي لعرب تجنسوا في تركيا عانوا من تعليقات عنصرية في دوائر حكومية لمجرد ان الموظف لاحظ ان مكان الولادة سوريا او فلسطين! وعليه رفض العديد من الموظفين اكمال المعاملات بتعلة ان حامل الجواز ليس ” تركي اصلي ” و يجب ان يعامل معاملة الاجنبي لا التركي !.

مثل هذا الامر لا يحدث في اوروبا …الجميع هنا متساو في الحقوق تحت طائلة القانون وحتى ان كان ببعض البلدان الاوروبية نفس عنصري لا احد يستطيع المجاهرة به علنا لانه يعلم ان الاغلبية ترفض هذا الامر و اي ممارسات عنصرية وهي قلة حدثت في اوروبا تمت معاقبة الشخص العنصري .

ابسط مثال على ذلك حدث وتقدمت امرأة محجبة اعرفها لوظيفة في بلد اوروبي و تم رفضها بسبب حجابها اشتكت هذه الاخيرة بالشركة وحصلت على تعويض مادي ضخم للاضرار النفسية التي طالتها و لكن في تركيا الموظف الحكومي بعد ان يعبر عن عنصريته بكل اريحية يقول للعربي المتجنس ” ارني ماذا ستفعل انت في بلدي ولن تتجرأ على الشكوى ” وبالفعل لا القانون و لا الدولة ستوقف هذا الموظف لاجل عيون الاجنبي .

بعد ان وضحت قليلا ان سبب الهجرة نحو اوروبا ليس امرا متعلقا بالماديات و الامان فحسب نعود الى موضوع الرحلات الغير شرعية …حري بي ان اخبركم انها غير مجانية وانما تتطلب المال و احيانا الكثير منه خاصة اذ ما كان المهرب جشعا واستغل وجود عائلة تتكون من عدة افراد حينها يتضاعف ثمن الرحلة و بالعملة الصعبة ايضا…

اذن…يدفع السوري آلاف الدولارات كي يصل اوروبا في حين ان مبلغا كهذا يستطيع ان ينشئ به مشروعا بسيطا في تركيا ليعيل نفسه و عائلته ولكنه يرفض هذا الخيار و يختار اوروبا …وذات الأمر بالنسبة للتونسي الذي يدفع آلاف الدينارات للمهرب رغم ان تونس لا يوجد بها اقتتال و لا حرب و اغلب الشباب المهاجر لديهم عائلات توفر لهم السكن و الأكل و الشرب ولكنهم يختارون اوروبا ! اذن المشكل ليس اقتصاديا فحسب وانما هنالك عصب في تقبل الحياة ضمن كنف البلدان النامية.

آفاق…تعليم و صحة مجاني…وقانون يحمي الجميع دون استثناء …هذا هو ما يبحث عنه العربي المهاجر الى اوروبا وليس متوفرا في بلده و فكرة ان يبقى مع عائلته والاستمتاع بها لا تلغي رغبة الانسان بأن يعيش كمواطن يشعر بأهميته في ظل دولة قوية وقانون عادل و الأهم ان يضمن مستقبلا واضحا لأطفاله وطبعا لا احد ينكر ان الحصول على جنسية بلد اوروبي هي مكسب لأي كان .

لنقل ان احدهم اراد الهجرة بطريقة شرعية نحو اوروبا هل ستقول له الكاتبة التونسية لا تفعل ذلك فأنا هنا في ألمانيا اذوق الامرين مع اطفالي وانت تنعم بتراب تونس لذلك لا تبرح مكانك ؟ من جهتي ارى الامر مستفزا قليلا !

كلنا نحب اوطاننا و كمسلمين نفتقد الى سماع صوت المآذن و اجواء رمضان في الشوارع العربية و غيرها من الامور التي تمس هويتنا و لكن هذا لا يلغي فكرة ان الحصول على حياة منظمة و محمية امر اهم .

البارحة استوقفني تعليق لسيدة تونسية تعيش في بريطانيا قالت لي انها تمتلك منزلا كبيرا في تونس و دخلا شهريا عاليا هناك و لكنها لا تترك بريطانيا رغم ان منزلها في بريطانيا ضيق و الدخل اقل من دخلها بتونس ولكنها لا تتخيل ان تعود هناك لان الصحة و التعليم مجاني حيث تعيش . واكملت حديثها قائلة ” من عاش في اوروبا و تعود على النظام و نظافة المدن ومعاملة الشعب الطيبة لن يستطيع تحمل الرجوع الى نظام البلدان العربية ” .

اذن يوجد العديد من الاسباب المغرية التي تدفع المرئ ان يركض خلف حلم اوروبا …حقوق الانسان …حقوق المراة المعنفة …حقوق الطفل المعنف و المحروم من قبل والديه كل هذه الامور تدفع بالمرئ ان يتمنى العيش في ظل حكومة خادمة لكل انسان يسكن ترابها من دون اي تمييز عرقي وعليه لن تنتهي هذه الموجة من الرحلات الغير شرعية ما دام حال بلداننا العربية لا يتحسن و لا يقترب من النموذج الاوروبي … طبعا واقصد هنا حتى البلدان العربية الغنية ماديا ولكنها تفتقر لحقوق الانسان .

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.