سياسة

التايمز تسأل: ما هو مستقبل الملكية بعد وفاة إليزابيث الثانية؟

تساءل بن ماكنتير في صحيفة “التايمز” عن مصير الملكية بعد رحيل إليزابيث الثانية. وقال إن الطريقة المناسبة لفهم المسار الذي تمضي فيه الملكية البريطانية هو النظر إلى البداية التي بدأتها مع نهاية العصر الحالي.

 ففي 21 نيسان/إبريل 1926 نشرت صحيفة “التايمز” خبرا في الصفحة 14 وسط تقرير عن الاضطرابات في مجلس الوزراء الألماني وآخر عن النقاشات بشأن قانون اقتصادي: “أنجبت دوقة يورك بسلام أميرة في الساعة 2.40 صباحا، والأم والبنت بخير”. وستصبح الطفلة الملكة إليزابيث الثانية. وعكست صحف ذلك اليوم مجتمعا آمنا وطبقيا، وكانت بريطانيا لا تزال إمبريالية واستعمارية، وخصصت عدد من الصحف مساحات للنقاش حول وجود فيل بأربعة أنياب، وكانت هناك ملكية راضية عن نفسها واثقة بهويتها الجمعية. وكانت التقارير عن العائلة المالكة رزينة وسرية وفوق كل هذا مشوبة باحترام.

وبريطانيا التي ورثتها إليزابيث عام 1952 كانت تقريبا مثل تلك التي حكمها والدها وجدتها، فقد وصلت إليها أخبار وفاة والدها في كينيا التي لا تزال مستعمرة بريطانية رغم هدير الماو الماو ومحاولة التحرر من الاستعمار. إلا أن الأمور لم تسر حسبما اعتقدت.

ففي اليوبيل الذهبي عام 2002 قالت إليزابيث الثانية: “لقد شهدت منذ عام 1952 تحولا مطردا للمشهد العالمي، ولا يقل عن التطورات السريعة في بلدنا وبالشكل المفوض لأمتنا وفي بنية المجتمع والتكنولوجيا والاتصالات وفي عملنا وبالطريقة التي نعيش”.

وكانت لندن في عام 1952 لا تزال تحتفظ بالترام والدخان الذي يغلفها مثل الضباب. وكان وينستون تشرتشل رئيسا للوزراء والقوات البريطانية تقاتل في كوريا. واضطر عالم الرياضيات العبقري ألان تريننغ الخضوع لعملية علاج بالهرمونات لتجنب السجن بسبب اتهامات الشذوذ الجنسي. وظلت بريطانيا تقليدية محتفظة بطرقها القديمة وبدون تغير على العائلة المالكة وفي معظم مناحي الحياة ومنذ الملكة فيكتوريا.

 وعلى مدى 70 عاما من حكم إليزابيث الثانية تعرضت العائلة المالكة لامتحان بالحرب والمأساة والفضائح. وأجبرت على التغير من خلال فضول الرأي العام والحراك الاجتماعي والتدهور الإمبريالي، وفوق كل هذا التخلي عن النبرة التقديرية التي رافقت ولادة إليزابيث واستبدالها مع تتويجها ووفاتها بنظرة متشككة وربما نظرة ذكية ومستمرة. وحولت الملكة العائلة المالكة إلى عملية حرفية.

 فهي أول ملكة في تاريخ بريطانيا لم تفرض ما تحب أو تكره على المؤسسة. وبالتأكيد ظلت شخصيتها الحقيقية طوال حكمها ولمعظم رعاياها لغزا. وحكمت أكثر من أي ملك أو ملكة في تاريخ بريطانيا لكنها ظلت تحتفظ بمسافة. وتعلمت في القرن العشرين السريع أن التحفظ هو مصدر قوة. والسؤال ماذا سيترك حكمها من أثر على حكم الملك تشارلس الثالث، ويليام ثم جورج؟

فلو انتهى العصر الإليزابيثي وقد انتهى فعلا، فإن مستقبل الملكية قد يكون أصغر ويعاني من الشيخوخة وأكثر ذكاء ومرحا ويدار بطريقة مصغرة وغير رسمي في المناسبات الخاصة وباذخ في الاحتفالات العامة ومحبوبا. وستكون ملكية القرن الحادي والعشرين مثل طبقة متوسطة.

وستدار بناء على طريقة مالية. وفي عهد إليزابيث كانت الملكية على وشك الانهيار، ومن الآن فصاعدا عليها أن تظهر أن لديها قيمة ثقافية ربحية واضحة. ومشكلة العهد الإليزابيثي أن الحداثة تصادمت مع سحر الملكية. فقد عانت العائلة من مشاكل تعاني منها بقية العائلات: الفقد وزيجات فاشلة وأفراد العائلة الشباب الذين يتصرفون بطريقة غير مناسبة. بحسب القدس العربي.

ففي النصف الأول من القرن العشرين تم التعامل مع الأمور الخاصة بالعائلة المالكة باحترام ولطف، إلا أن نهم وفضول النصف الثاني من القرن عنى أن أحداثا تتعلق بالعائلة المالكة تم فحصها وبوحشية. وجاء امتحان الملكة في الحزن على وفاة الأميرة ديانا مطلقة الأمير (الملك الآن) تشارلس.

ولهذا السبب أصبحت العائلة المالكة بارعة في مهارات العرض والسحر في العلاقات العامة بطريقة لم تكن بحاجة إليها قبل جيل. ومع ذلك لم تتخل عن عمليات التخريب الذاتي.

فالفضيحة التي ضربتها بشأن دوق يورك، الأمير أندرو وعلاقاته مع جيفري إبستين المتهم بجرائم جنسية مع القاصرات ثم مقابلته المريعة مع بي بي سي دمرت صورته وخلقت أزمة للمؤسسة الملكية. ثم جاء زواج الأمير هاري من ميغان ميركل الذي صور على أنه زواج خيالي ثم أصبح كابوسا لمستشاري الملكة.

وكانت استراتيجية السنوات الأخيرة لعهد الملكة إليزابيث هي إظهار أن العائلة المالكة ليست مختلفة عن البقية ولكن يجب الحفاظ على لغزها.

وكانت دوقة كامبريدج، زوجة الأمير ويليام، تجسيدا لهذه الإستراتيجية، فهي متعلمة ومهذبة وحسنة الهندام ومزركشة في ملابسها وغير مختلفة ومن عائلة متوسطة وبالتالي لا تمثل تهديدا. واستوعبت الدروس من الملكة، ابتسمي واضحكي وحاولي التخفيف عن الجميع ولا تقولي أي شيء مهم وارتدي الجينز بنفس الطريقة التي ترتدين فيها التاج.

وتظل المظاهر الملكية بكل ما فيها من احتفالات وصخب ومشاهد اختراعا من العهد الفيكتوري. ولكن إليزابيث وسعت المظاهر من خلال مجموعة من القواعد الملكية المعقدة، حيث الظهور في الأماكن العامة يجب أن يكون بعيدا عن التفاخر وبنوع من البعد، أي القرب المتحفظ.

وهو عمل من الصعب موازنته وحافظت عليه بثقة كبيرة لأن أحدا لم يكن يجرؤ على تحديها. وهناك ذكور كثر في عائلة ويندسور لتغطية القرن الحالي وما بعده، فمن المتوقع أن يحكم ويليام وهو في الستين، أما ابنه جورج، فربما حكم في سن متقدم أكبر من والده.

وعندما تولت العرش في سن الـ25 عاما خلفا لوالدها لم يكن الكثير من البريطانيين يعرفونها، حتى ماريون كرفورد مؤدبتها التي لم يقل لها عام 1950 سوى القليل. وبالمقارنة فالملوك القادمون سيكونون في عين الرأي العام وفي عمر متقدم أكبر من رعاياهم.

وسيكون ما فعلوه قبل تولي العرش مهما مثل الذي سيفعلوه بعد توليهم الحكم. ومع العمر والنضج يأتي الرأي، فالملكة الراحلة تجنبت الدخول في السياسة حتى عندما تعارض رأيها مع من تكلفهم بالحكم، ولم يظهر ابنها انضباطا كهذا وأكد أنه لن يقتصر في عمله على قص الشريط في الاحتفالات.

ولعل السؤال المتعلق بمستقبل الملكية هو المدى الذي ستصبح فيه سياسية، فالصراحة في المواقف تعني خلق انقسامات وجدل، والتحفظ والتزام الصمت يعني عدم الأهمية. وكانت نجاة الملكية منذ حكم أثيلستان في عام 927 بعد ميلاد المسيح من خلال منح انطباع بقدرتها على تحريك العالم وكونها بحيرة للتقاليد والتكيف.

وأعطت إليزابيث هذا المظهر إلا أن خليفتها يجب أن يكون بارعا في عالم يتحرك بسرعة ومجتمع بريطاني يتأثر بالعولمة ويمر بتحولات اقتصادية والهجرة الإثنية وإصلاح للمؤسسات الوطنية العرقية. وكانت الهوية الوطنية ثابتة ويمكن التكهن بها في ظل إليزابيث لكنها متحركة وسريعة بشكل عنيف.

 وأثرت عدد من ملامح الحياة الحديثة على الملكية وضربتها وأجبرتها على التغير من الفقد والفضائح إلى النزاعات الداخلية، إلا أن العائلة لا تزال معزولة عن بقية المجتمع البريطاني، فلا نعرف ماذا يقرأون ويشاهدون أو ما هي معتقداتهم.

وواحد من الهجوم على دوق ودوقة ساسكس أنهما كشفا الكثير عن أنفسهم ومشاعرهم. وكان انفصال هاري وزوجته عن بقية العائلة بمثابة إنذار لما قد يحدث في المستقبل وأن العائلة لن تكون محصنة عن التغيرات التي يمر بها المجتمع، فزواج أمير أو أميرة بمسلم أو اعتراف أمراء بالمثلية أو تعبيرهم عن إلحادهم قد يحدث عاجلا وليس آجلا. وفق القدس العربي.

والرأي العام مستعد لمنح العائلة قدرا من الخصوصية مقابل المحاسبة والأهمية للحياة العامة. فالعائلة ليست عرضة لقانون حرية المعلومات أو الكشف عن تعاملاتها المالية، ولن يظل الوضع على ما هو، وربما لم يكن مال العائلة هو المشكلة لكن قد يطلب من “الشركة” كما تعرف بالكشف عن حساباتها.

وضمن هذا السياق فما هو موقع العائلة المالكة بعد وفاة إليزابيث؟ الأمر متعلق بموقف الناس الذين يتسامحون مع الفردية ويطرحون أسئلة وأقل طاعة للأسطورة. كل هذا سيجعل العائلة المالكة واعية بنفسها ومنفتحة وتتصرف بحذر بين الكشف عن نفسها والحفاظ على خصوصيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *