لاجئون

لاجئ سوري.. طبيب في النهار وحلواني في المساء!

«نحب البلاد، كما لا يحب البلاد أحد».
تلك هي القصيدة التي كتبها أولاد بن أحمد لتصيبنا جميعاً في المكان الأكثر إيلاماً ألا وهو القلب. ذلك المتعب الذي أدمته الحروب خسارات وفقداناً، وتشرداً ولوعة وانكسارات.

من منا لم يخسر حبيباً، أو قريباً أو ابناً أو صديقاً في معركة من معاركنا التي لا نهاية لها؟ من منا لم يهاجر مرغماً بعد انعدام كل فرصة لحياة كريمة في أرضه، التي تشرّب حبها منذ الصغر؟

لم يبق في الوطن شيء نتمسك به. خسرنا بيوتنا وأشغالنا وأحلامنا، وظل الأمل الوحيد يلوح لنا في أفق بعيد يدعى «بلاد الآخرين».

سمعنا في السنوات الأخيرة قصص هجرة مبكية، لا تحصى ولا تعد. مراكب انطلقت لتغرق وسط البحار. أطفال كثيرون ضاعت أشلاؤهم بين أمواج البحر.

ولكن رغم السواد الذي يلتحف معظم بلادنا العربية يبقى هناك أبطال تمسكوا بالحياة وحولوا الهزيمة إلى نجاحات تحسب لهم.

هكذا انتشرت مؤخراً، في صورة واسعة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، قصة طارق أو «دكتور الكنافة»، وهو الشاب السوري، الذي يدرس طب الأسنان في جامعة «القصر العيني» في العاصمة المصرية القاهرة أثناء النهار، ويعمل بعد الظهر في صناعة الكنافة على أشكالها وبيعها على عربة للمارين.

يبتسم وهو يحكي عن أنواع الكنافة ويعددها. وكأنه يحكي قصة وطن. وكأنه يشتم فيها رائحة العربيات المارة في حواري الشام وصوت البائعين، وتلك العطور العربية التي تفوح من الحانات.

لقد أخطأ من قال إن المدن تحتوينا وإننا نعيش في أروقتها، وهي التي تحفظ خطواتنا على أرصفتها.
إن المدن هي التي تسكننا وتفتح شبابيكها في زوايانا المعتمة وتضيء قناديلها العتيقة في أرواحنا. نحملها بكل تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة أينما ارتحلنا.

هل اختار طارق أن يبيع الكنافة كي يأتي بالشام إلى جواره فيغازلها؟
يقول وبكثير من الفخر والحب: أنا عندي حلويات سوريّة. نحن مميزون بالكنافة الحمراء. وهذه كنافة البورما. ثم يشير إلى كنافة القشطة. والكنافة الفيصلية. يعدها وكأنه يعد حواري بلاده وشوارعها وطرقاتها.
ثماني سنوات وهو يعمل دون كلل أو تعب ليؤمن لقمة عيشه، ويعكس صورة مشرفة للشاب السوري المهاجر.
ولكن يبقى هناك من ينتقد ومن يبحث عن الشوائب في كل حكاية، مهما كانت تفاصيلها جميلة. وإن لم يجد ما يتكلم عنه قد يخترع شائبة ترضيه!

هكذا حاول بعض المعلقين تجاهل تعب الشاب وإصراره على النجاح ومحاولة التأقلم والعيش والعمل في بلد آخر. وتحولوا إلى مناصرين للبيئة ومستشارين مختصين بالأمراض، مركزين على التلوث والأتربة والشمس، التي قد ترافق صحن الكنافة. إليكم نموذجا صغيراً من تلك التعليقات:

«هو فيه دكتور في الدنيا درس أمراض وعدوى وعلاج ووسائل وقاية يوقف يبيع حلوى مكشوفة للذباب والتلوث والأتربة في الشمس، بدون تغليف! أنت عار على كليتك ومهنتك وليس فخراً»!

لا نعرف كيف اكتشف المعلق «العبقري» من الفيديو القصير المنتشر أن الحلوى مكشوفة، خصوصاً وأنها كانت لحظات تصوير فمن الطبيعي أن يكشف البائع عن حلوياته كي تلتقطها الكاميرا قبل أن يعود لتغطيتها.

التعليقات المسيئة لا تجرح إلا أصحابها. ولكن من لم تقهره حرب بلاده وتمكّن بعزيمته التغلب عليها والتمسك بالحياة والنجاح والصبر على الصعاب، لن يلتفت إلى ما يكتبه بعض المغردين الذين يعيشون فوق جروح الآخرين ويقتاتون منها.

طفل يخسر والديه مرتين!

ومن حكاية نجاح الشاب السوري إلى قصة حزينة. بطلها طفل مصري صغير يدعى شنودة. وجدوا الرضيع شنودة في لفة صغيرة مرمية أمام الكنيسة. فأخذته أسرة قبطية حرمت من الإنجاب وربته حتى بلغ من العمر أربع سنوات. واستخرجت له شهادة ميلاد. أربع سنوات كانت تلك الأسرة تقدم له كل الحب، والحنان والدفء والرعاية. أحبه والداه الديدان، وكأنه ابنهما من دمهما ولحمهما. أصبحت أيامهما تدور حوله وتفاصيلها كلها متعلقة به وحده. الزوجان فاروق وآمال عاشا سنوات طويلة 29 سنة قبل مجيء الطفل، وهما يحلمان به. كانا يرسمان في خيالهما ملامحه. ينسجان له حكايات طويلة ليغفو بين سطورها. فأصبح نور حياتهما وبريقها. ولكن تلك الفرحة لم تدم طويلاً. لقد أبلغت إحدى أقارب فاروق الشرطة أن الطفل مخطوف، خوفاً من أن يشاركها الميراث من ممتلكات فاروق.

هكذا أوقف الزوجان وفتحت قضية لتنتهي بالإفراج عن فاروق وزوجته وإرسال الطفل إلى دار الأيتام بموجب القانون، لأنه مجهول الهوية وغيّر اسمه من شنودة إلى يوسف. فحسب القانون المصري، أي طفل مجهول الهوية يعتبر مسلماً ولا يحق للزوجين المسيحيين تبنيه. هكذا ضاقت بهما السبل ولم يجدا أمامهما سوى مناشدة المسؤولين لإعادة الطفل إليهما.
لقد ظهرت الأم وهي تشهق بالبكاء. نعم الأم. وهل الأم هي فقط من تحمل الطفل في أحشائها، أم هي أيضاً من تسهر وتربي وتكرس حياتها ووقتها وعاطفتها لتربية ابنها؟

ولم يكن حال الأب أفضل من حالها. لقد كان هو الآخر منهاراً بشكل كامل، وهو يطالب متوسلاً بعودة شنودة إلى كنفه.
ويبقى السؤال الموجع. هل القوانين توضع لحماية البشر أم لتعذيبهم؟ وهل دار الأيتام سيوفر لشنودة الاستقرار النفسي والعاطفي والعائلي الذي عرفه بين أحضان آمال وفاروق؟!
قد يصل صوت الزوجين إلى السلطات المختصة، التي قد تعيد يوماً النظر في بعض القوانين العفنة. تلك التي تحتاج لتعديلات كي تصبح أكثر رأفة ورحمة، وإنسانية.

مريم مشتاوي كاتبة لبنانيّة- القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.