مقالات

ما هي أهداف زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية؟

خلال منتصف شهر يوليو/تموز الجاري سيقوم الرئيس الأميركي جو بايدن بزيارة مهمة في تفاصيلها وأهدافها للمملكة العربية السعودية، الزيارة تحمل في جعبتها العديد من الملفات الشائكة والمعقدة، أهمها الحرب في اليمن، الصراع الدولي على أوكرانيا، والأزمة في سوريا، والتدخلات الإيرانية المباشرة في دول الشرق الأوسط وخاصة العربية منها، وملف الطاقة الذي أصبح الشغل الشاغل في الآونة الأخيرة للقوى الدولية بعد رفع موسكو البطاقة الحمراء في وجه قادة أوروبا لتدخلهم المباشر لمصلحة كييف في حرب أوكرانيا التي مضت عليها حتى الآن خمسة أشهر.

“بايدن” تجنب زيارة الرياض منذ تسلمه الحقيبة النووية في 20 يناير 2021 ودخوله البيت الأبيض كرئيس هو السادس والأربعون للولايات المتحدة الأميركية

“بايدن” تجنب زيارة الرياض منذ تسلمه الحقيبة النووية في 20 يناير 2021 ودخوله البيت الأبيض كرئيس هو السادس والأربعون للولايات المتحدة الأميركية، على ما يبدو كانت زيارته مخططاً لها، بحيث لا يغادر الرياض إلا وجعبته ممتلئة بالتفاهمات والاتفاقات الاستراتيجية، ويجب أن تكون للزيارة ثمن وفاتورة (بحسب المنطق الأميركي) كما فعلها سلفه ومعظم الزعماء الأميركيين في العقود الماضية, واليوم بات مطلوباً من الرياض (أميركياً) دفع الفاتورة كاملةً والانخراط في المواجهة ولو اقتصادياً بعد التهاب الصراعات في الشرق الأوسط والقوقاز.

الزعيم الأميركي كان ينتظر اللحظة المناسبة، فجاء الصراع مع موسكو على أوكرانيا لتفرض وقائع ومعطيات جديدة في الساحة الدولية حتى يجبر “بايدن” على التوجه نحو المملكة العربية السعودية ومحاولة تحريك المياه الراكدة بين واشنطن والرياض، وإعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح، لأن الزعيم الأميركي يعتقد أن بوتين “لا يستحق أقل من الهزيمة” في أوكرانيا، وخلال زيارته للشرق الأوسط سيلتقي أيضا بالقادة الإسرائيليين, وسيحضر القمة الخليجية العربية المقررة في منتصف هذا الشهر، وبحضور كل من مصر والعراق.

أهداف الزيارة والاستباق السعودي..

بحسب المراقبين للشأن العام، الولايات المتحدة الأميركية باتت تفقد وزنها ومصداقيتها في الشرق الأوسط شيئاً فشيئاً بسبب تلاعبها مع إيران بملفات المنطقة الشائكة والمعقدة، ولي العهد محمد بن سلمان استبق زيارة “بايدن” إلى المملكة، فقام بزيارة بروتوكولية إلى أنقرة واللقاء مع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” تمهيداً للمواجهة المحتملة مع واشنطن.

ولأن الرياض لم تعد تثق بواشنطن حتى تهرول خلفها لمواجهة التمدد الروسي في الشرق الأوسط أو أوكرانيا دون ضمانات واتفاق مشترك، السعوديون بحكم خبرتهم طويلة الأمد والتعاطي المتوازن مع السياسة الخارجية الأميركية يعلمون جيداً أن “بايدن” قادم وليس في جولة سياحية بل سيطلب منهم بصريح العبارة ودون مناورة، زيادة ضخ النفط إلى الأسواق العالمية، التنسيق مع واشنطن لنسف منظمة (أوبك بلس) عن الوجود التي روسيا جزء أساسي منها، التي تنتج أكثر من 10 ملايين برميل يومياً وتصدرها إلى أوروبا ودول شرق آسيا ومن بينها تركيا، وهذه المنظمة تنتج اليوم نحو 40 في المئة من إجمالي النفط الخام في العالم,

وبالإضافة إلى بحث الأمن السيبراني والغذائي بعد اهتزاز ميزان العرض والطلب على النفط والغاز الروسيين، مع استمرار العقوبات الأميركية – الأوروبية وتراجع الكميات المستوردة من الغاز والنفط إلى أوروبا، لهذا السبب باتت واشنطن مهتمة بالتواصل مع الرياض وبحث مطالبها على محمل الجد، وبلا أدنى شك فالموقف السعودي محرج للغاية، بمعنى قبول المطالب الأميركية يعني أن العواقب تكون وخيمة ولا تحمد عقباها.

ومن هنا فالرياض باتت تعتقد بأنها أصبحت بين فكّي الكماشة، وما بين خيارين أحدهما مرّ، فإن وافقت على المطالب الأميركية فإنها ستدخل في مواجهة مباشرة مع موسكو

ومن هنا فالرياض باتت تعتقد بأنها أصبحت بين فكّي الكماشة، و ما بين خيارين أحدهما مرّ، فإن وافقت على المطالب الأميركية فإنها ستدخل في مواجهة مباشرة مع موسكو لأن “بوتين” لا يمكن أن يقبل بعد اليوم التلاعب بأسعار النفط والتعدي على مصالحه الاستراتيجية وحقوقه الجيوسياسية في العالم، أما إذا رفضت المطالب الأميركية فلا شك ستقوم الأخيرة كما هي عادتها بتحريض طهران ضدها من خلال جماعة الحوثيين في اليمن بقصفها للمواقع النفطية.

وإثارة ملف “الخاشقجي” من جديد، وتحريك ملف حقوق الإنسان والعمل على استبعاد ولي العهد “محمد بن سلمان” من المشهد السياسي، لهذا السبب جاءت زيارته إلى أنقرة استباقاً لزيارة “بايدن” ومحاولة منه لإيجاد خطط بديلة ومنافذ أخرى مع العالم الخارجي في حال وجد نفسه في المأزق والتفكير بأسوأ الاحتمالات.

وفي الضفة الأخرى، لن تقبل الرياض بعد اليوم التسلق على السفينة الأميركية الغارقة في القوقاز إلا ضمن شروط محددة وواضحة، وعلى واشنطن تنفيذها دون تردد وهي:

قصقصة الأجنحة الإيرانية في الشرق الأوسط وخاصة في اليمن وسوريا، واحتواء طموحاتها النووية، ودعم المعارضة السورية من جديد وخاصة في درعا

تقديم ضمانات خطية بحمايتها من أي هجوم خارجي محتمل وترسيخ شراكة استراتيجية فيما بينهما.
تعويضها عن الخسائر التي قد تترتب عليها في حال دخلت في أية مواجهة مع طهران أو تعرضت للضغوطات الروسية لأن الدخول في معركة شدّ الحبال مع موسكو ليس بأمر السهل، وستكون نتائجها وعواقبها وخيمة على المنطقة برمتها وعلى المملكة العربية السعودية بشكل خاص.

الاحتمال الأرجح أن ترضخ واشنطن لشروط الرياض من الألف إلى الياء كما رضخت لشروط أنقرة في قمة الناتو في مدريد ببيع حليفتها قوات سوريا الديمقراطية بأرخص الأسعار

وبناءً على كل ما ذكر، فالاحتمال الأرجح أن ترضخ واشنطن لشروط الرياض من الألف إلى الياء كما رضخت لشروط أنقرة في قمة الناتو في مدريد ببيع حليفتها قوات سوريا الديمقراطية بأرخص الأسعار، ولأن واشنطن تعتقد اليوم بأن أي انتصار لـ “بوتين” في أوكرانيا يعني فقدان السيطرة على قيادة العالم وتحقيق حلمه بتحويل قيادة الكرة الأرضية إلى تعدد الأقطاب، ومعركة أوكرانيا هي وجودية بالنسبة له، وخاصة “التنين” الصيني هو الآخر ينتظر الفرصة المناسبة لقرع أبواب تايوان، بانتظار حسم نتائج المعركة لصالح موسكو، وهذا ما لا يقبل به الناتو حتى لو أدى ذلك إلى قيام حرب عالمية ثالثة، لهذا السبب واشنطن باتت اليوم بحاجة إلى جهود ودعم الجميع لها دون استثناء.

خلاصة القول:

القمة الأميركية الخليجية العربية المرتقبة في منتصف هذا الشهر هو جزء من حشد دولي إقليمي تقوم بها واشنطن للدخول مع موسكو في حرب طويلة الأمد داخل أوكرانيا، هذه الحرب يحتاج فيها اللاعبون إلى اقتصاد قوي وشراكة استراتيجية رغم تشعبها، وهذا ما يريد “بايدن” الوصول إليه في نهاية المطاف.

القمة الأميركية الخليجية العربية المرتقبة في منتصف هذا الشهر هو جزء من حشد دولي إقليمي تقوم بها واشنطن للدخول مع موسكو في حرب طويلة الأمد داخل أوكرانيا

بالمحصلة، المملكة العربية السعودية أخطأت في حساباتها الخارجية وخاصة في سوريا والعراق، اعتقدت في بداية الأمر بأن نجاح ثورات الربيع العربي وتمددها ستشملها أيضاً في نهاية المطاف، بناءً على مخاوفها واعتقادها الخاطئ، تركت العراق فريسة بين مخالب الحرس الثوري الإيراني كما سوريا ولبنان، الذي استغل الفراغ السياسي في هذه الدول وسيطر على قرار أربع عواصم عربية.

وكل ذلك كان على حساب تقليص النفوذ السعودي وتوازنه السياسي، بدورها طهران باتت اليوم تقرع أبوابها عن قرب من خلال جبهة اليمن وبالتالي وجدت عاصمة القرار العربي نفسها اليوم ضعيفة وأمام تحديات جديدة وبالتالي مضطرة للتعاون والدخول في تحالف استراتيجي مع الدوحة وأنقرة وحتى تل أبيب وإعادة ترتيب أوراقها من جديد لمواجهة التغلغل الإيراني مستغلةً التطورات الجيوبوليتيكية التي عصفت بالمنطقة وغيّرت الكثير من قواعد اللعبة فيها ولأن السكوت والتزام الصمت حيال اللوحة السياسية القاتمة والمتشابكة في الشرق الأوسط لم يعد يحتمل تاركةً الكثير من الثغرات لصالح التمدد الإيراني في المنطقة.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا- علي تمي

تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.