تحليلات

الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية.. مرحلة جديدة

ينظر إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية، والقمة المنتظرة مع عددٍ من القادة العرب، باعتبارها زيارة استثنائية تحمل جملة من الدلالات في سياق إعادة صياغة توجهات السياسة الخارجية الأمريكية بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتبعاتها الشديدة، والتي مثلت زلزالاً مدوياً على العديد من الصعد، لا سيما ملف الطاقة.

سلكت الولايات المتحدة الأمريكية نهجاً مغايراً إزاء حضورها في منطقة الشرق الأوسط منذ عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ ذلك أنه منذ الانسحاب الأمريكي من العراق في عهده، بزغت سياسة واشنطن في الانسحاب من المنطقة لصالح سياسة التوجه صوب جنوب وشرق آسيا، لا سيما مع الاكتفاء الذاتي للولايات المتحدة من النفط.

وترجمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ذلك التوجه بجملة من الخطوات العملية منذ الانسحاب من العراق، بدءاً من إعلان أوباما في 2011 نية الانسحاب من أفغانستان، مروراً بتخفيض إدارة خلفه دونالد ترامب حجم الدفاعات الأمريكية في المنطقة، وما صاحب ذلك من عمليات الانسحاب التدريجي، وصولاً إلى بادين وانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

تزامنت وذلك التوجه تحركات فاعلة في المنطقة لجهة توسعة العلاقات – لا سيما بالنسبة للدول العربية والخليجية بشكل خاص – وتعميقها مع أقطاب ومحاور أخرى، من بينها روسيا والصين، وبناء شراكات استراتيجية ومتنوعة.

ومع اشتعال العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتبعاتها المزلزلة والتي تثير الذعر لدى الغرب، تأتي زيارة الرئيس بايدن للمنطقة لتطرح تساؤلات حول التوجهات الحالية والمستقبلية للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، في إطار التطورات المفصلية التي يشهدها العالم.

وفي ضوء حالة السيولة السياسية على المستوى الدولي وبينما تتشكل أحلاف وتكتلات تعيد رسم خريطة العلاقات الدولية من جديد، وفي ظل المواقف الخليجية (الممثلة في السعودية والإمارات) القوية المعبرة عن السيادة الوطنية إزاء ملف الطاقة ورفض تسييسه.

ويعتقد مراقبون بأن زيارة بايدن – في ضوء المشهد الدولي الراهن – إنما تشكل بداية مرحلة جديدة للعلاقات الأمريكية – العربية، بعد أن أجبرت الحرب في أوكرانيا البيت الأبيض على مراجعة سياسته وتوجهاته في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما العلاقات مع الدول العربية.

هذا ما يؤكده خبير العلاقات الدولية الدكتور طارق البرديسي، والذي يشير إلى أن ثمة اعتقاداً سائداً لدى البعض بأن هناك تخبطاً بالنسبة للإدارة الأمريكية ومواقفها إزاء الشرق الأوسط، ما بين الديمقراطيين والجمهوريين، لكن في الواقع الاستراتيجية الأمريكية والأسس المبنية عليها تلك المواقف «ثابتة» وإن اختلفت الأدوات بالنسبة للبيت الأبيض.

ويلفت البرديسي في تصريحات خاصة لـ«البيان» إلى أن إدارة أوباما، كانت تدفع بفكرة «الإدارة من خلف الستار» في تعاطيها من ملفات الشرق الأوسط، في إشارة إلى الانسحاب الأمريكي المباشر من المنطقة، وقد جاء الرئيس ترامب واتخذ خطوات عملية في سياق الانسحاب من المنطقة (لصالح التوجه نحو جنوب وشرق آسيا) رغم علاقات ترامب مع دول المنطقة، ثم جاء الرئيس جو بايدن متبعاً نفس المسار تقريباً، إلى أن جاءت العملية الروسية في أوكرانيا لتغير عديداً من الأمور.

حرب فاصلة

يعتقد خبير العلاقات الدولية بأن الحرب التي تشهدها أوكرانيا كانت فاصلة في هذا الاتجاه، وهي التي تدفع الإدارة الأمريكية لإعادة صياغة علاقاتها واستراتيجيتها في الشرق الأوسط، لتمثل زيارة بايدن للمملكة العربية السعودية والقمة المرتقبة مع قادة دول المنطقة تأكيداً على ذلك، لا سيما في ظل الضغوطات التي يواجهها ملف الطاقة والتحديات الناجمة عن الحرب.

ويشدد البرديسي على أن العودة الأمريكية إلى المنطقة تأتي بسبب الحرب في أوكرانيا وتبعاتها، بينما العالم يتشكل من جديد وثمة أقطاب جديدة تظهر بقوة، مثل روسيا والصين، وتكتلات وتحالفات وتجمعات مؤثرة، تدفع بضرورة إعادة النظر في صياغة العلاقات حول العالم بما في ذلك العلاقات الأمريكية الخارجية.

وبينما تجبر الحرب في أوكرانيا وتبعاتها البيت الأبيض على إعادة تشكيل اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، فإنه من الناحية الأخرى فإن العرب يستقبلون ذلك بمزيد من اللحمة والتنسيق والسمو عن الخلافات من أجل تشكيل جبهة متماسكة، وهو ما يعبر عنه البرديسي بقوله: «لقد أعد العرب العدة.. هناك تنسيق واسع وبلورة لمواقف موحدة تجاه عديد من القضايا الرئيسية، وإن كانت هناك خلافات طفيفة في قضايا أخرى.

لكن القضايا الكبيرة هناك اتفاق واسع عليها، في موقف به نضج كبير، من منطلق أنه لن يحمي العرب إلا العرب، وأن دول المنطقة لن تدخل طرفاً في حرب لا ناقة لها ولا جمل فيها.. مع التأكيد على السيادة الوطنية لتلك الدول، والتزاماً بالعلاقات الاستراتيجية مع جميع الأطراف (الولايات المتحدة والغرب وروسيا) ولن ينحاوزا لأحد».

وتعزز جملة من العوامل الأخرى عملية إعادة البيت الأبيض النظر في ترتيب علاقاته بمنطقة الشرق الأوسط، من بينها الحضور الواسع للصين وروسيا في المنطقة، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، وهو ما يشكل تهديداً للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

علاقات استراتيجية

ويقول مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور غازي فيصل حسين، في تصريحات خاصة لـ «البيان» إن منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي تحتل اهتماماً عالياً بالسياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما على صعيد أمن الطاقة وأمن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط.

مشيراً إلى أن «الشرق الأوسط مازال يشكل هذه الأهمية القصوى، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الغاز ومشكلة القمح والحبوب والمصادر المهمة للغذاء ونذر تعرض العالم لمشكلات في الطاقة وارتفاع الأسعار أو الحديث عن أزمة عالمية للجوع في العالم الثالث، خصوصاً في أفريقيا وآسيا».

ويعتقد حسين بأن توجه الرئيس بايدن لعقد القمة العربية الأمريكية الشرق أوسطية يؤشر على جدية رؤية الاستراتيجية الأمريكية للأمن في الخليج العربي والشرق الأوسط وارتباطه ضمن نظرية كارتر لأمن الخليج منذ العام 1979 وهي فاعلة حتى يومنا هذا بارتباط أمن الخليج بأمن الولايات المتحدة.

ويشير إلى أن «هذه القمة ستعيد النظر بطبيعة التحديات القائمة، والحرب في اليمن والمشكلات الأمنية الكبرى في العراق، ومسألة الكتائب المسلحة وتهديد أمن المنطقة، والحرب في سوريا ولبنان وحزب الله والتهديد الإيراني بسبب تطور منظومات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والبرنامج النووي وكيفية مواجهة هذه التحديات ومختلف التهديدات التي تلف أمن الشرق الأوسط وتهدد بزعزعة الاستقرار بما يشكل تهديداً خطيراً للأمن الإقليمي وأمن الطاقة العالمي والأمن والاستقرار في العالم».

المصدر: هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.