دراسات

هل حان وقت “تأبين” التواجد العسكري الروسي في سوريا؟

 

هيومن فويس

هل حان وقت “تأبين” التواجد العسكري الروسي في سوريا؟

قررت موسكو سحب معظم قواتها من سوريا بعد أن أعادت التماسك لنظام الأسد، وقدَّرت أن الوقت قد حان لإقناعه بالتخلي عن رهان الحسم العسكري.

أُعلن في موسكو، مساء يوم الاثنين 14 مارس/آذار، وبصورة مفاجِئة، أن الرئيس فلاديمير بوتين أصدر أوامره بسحب معظم القوة الروسية الجوية في سوريا. سرعان ما أثارت هذه الخطوة المفاجئة تعليقات واسعة النطاق، داخل روسيا وخارجها. جاء قرار بوتين بعد مُضي أكثر من خمسة أشهر بقليل على بدء العملية الجوية الروسية في سوريا في نهاية سبتمبر/أيلول 2015، في الذكرى السنوية الخامسة لاندلاع الثورة السورية، متزامنًا مع انطلاق المباحثات بين وفدي المعارضة والنظام للتوصل إلى حلٍّ سياسي للأزمة السورية في ما بات يُعرف بـ “جنيف الثالثة”.

قراءة مصدرها مركز أبعاد للدراسات

تعمل إسرائيل على رصد التحرُّكات الميدانية الجارية في سورية، حيث تظهر إشارات على توجُّه روسيا لنقل بعض قواتها إلى أوكرانيا، وهو ما يطرح مخاوف إسرائيلية من ظهور واقع أمني جديد، إذ سيسعى الإيرانيون إلى مَلْء أي فراغ روسي على الأراضي السورية.

وتعتبر دوائر صُنع القرار الإسرائيلي أن الوجود الإيراني في سورية، سيشكل تهديداً لإسرائيل، من خلال جبهة طويلة على الحدود، فيما ستعمل طهران على نشر بطاريات صواريخ لمنع سلاح الجو الإسرائيلي من العمل.

إلا أنه في الوقت نفسه، فإن إسرائيل تسعى إلى تحويل تلك المخاوف إلى فرصة، إذ إنه مع تراجُع السيطرة الروسية في سورية، فإن هجماتها قد تكون من الآن فصاعداً أكثر سهولة، ولن يكون هناك قَلَق من إلحاق الأذى بالقوات الروسية.

في المقابل، يدعو البعض داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية في تل أبيب، إلى عدم التسرع في «تأبين» الوجود الروسي في سورية، على اعتبار أنه ليس من السهل على موسكو التفريط والتخلي نهائياً عن ممتلكاتها ونفوذها الذي دفعت مقابله أثماناً كبيرة، وتقديمها على طبق من ذهب في أيدي الإيرانيين.

ويستند استبعاد حصول الجلاء الروسي من سورية، إلى تفسيرات إسرائيلية عِدّة، من بينها أن الوجود الروسي هو في أي حال محدود، ولا يتطلب موارد غير عادية، حتى في مواجهة التقلب المستمر في أوكرانيا.

فضلاً عن أن أحد الخطوط الأساسية للإستراتيجية الروسية في مختلف ساحات العالم هو «التأثير الأقصى مع الحد الأدنى من النفقات»، وسورية مثال كلاسيكي على ذلك.

حيث أدرك الروس أن بإمكانهم استخدام حدّ أدنى من القوة العسكرية لتحقيق أقصى نتيجة من حيث زيادة تأثيرهم الإقليمي من جهة، ومن جهة أخرى الحدّ من النفوذ الأمريكي في المنطقة، وكسر احتكار الولايات المتحدة كلاعب رئيسي فيها.

الخُلاصة الإسرائيلية أن اهتمام روسيا بالحفاظ على وجود كافٍ في سورية، لم يطرأ عليه تغيير يُذكر، مع تصاعُد النقاش حول حجمه في الفترة الأخيرة تَبَعاً للتطورات العسكرية الجارية في أوكرانيا.

وفي الوقت ذاته، فإن مصلحة إيران تكمن في الاستمرار بترسيخ وجودها في سورية أيضاً، حتى لو كان بأنماط مختلفة.

دلالات الانسحاب الروسي

إحدى النظريات التي تم تداولها في تحليلات المعلقين والمراقبين لفهم القرار أنه يعكس اتفاقًا روسيًّا-أميركيًّا حول الطريق الذي ينبغي على عملية التفاوض في جنيف أن تنتهجه؛ بل وحول مستقبل سوريا كذلك. الحقيقة، أن ليس هناك من دليل على الإطلاق على أن واشنطن كانت على دراية بالقرار الروسي قبل الإعلان عنه، أو أن القيادة الروسية شاركت أيًّا من الأطراف الأخرى المعنية بالمسألة السورية في اتخاذه.

عندما أُعلن عن القرار، كان المؤتمر الصحفي اليومي للناطق باسم البيت الأبيض منعقدًا بالفعل؛ وعندما وجَّه له أحد الصحافيين سؤالًا حول الأمر، أعرب عن دهشة مفاجئة.

ولم يَفُتْ وزيرَ الدفاع الروسي أن يؤكد في مؤتمره الصحفي بعد الإعلان على أن موسكو لم تشرك أي طرف خارجي في قرارها. وحتى الرئيس السوري، بشار الأسد، فقد تم إبلاغه، بلا مبالاة، خلال اتصال هاتفي من الرئيس الروسي، وقبل ساعات فقط من بدء عملية الانسحاب.

يدور السؤال الأول المهم الذي يطرحه القرار الروسي حول طبيعة هذا الانسحاب وحجمه. والواضح، أولًا، أن القرار الروسي لا يتعلق بالقاعدة البحرية في طرطوس، التي ستستمر في أداء مهماتها للأسطول الروسي في المتوسط بلا تغيير يُذكَر، ولا بالخبراء الروس الملحقين بأفرع جيش الأسد.

كما لا يمس القرار قاعدة حميميم الجوية كلية، التي يحكم تحولها إلى قاعدة جوية روسية لخمسة وعشرين عامًا اتفاق رسمي مع نظام الأسد. ما يعنيه القرار الروسي هو سحب الكتلة الأكبر من الطائرات والمعدات والجنود والضباط الروس من قاعدة حميميم، وليس جميعهم.

ثمة عدد من الطائرات والطيارين والجنود سيبقى في القاعدة، إضافة إلى بطاريات إس 400 المضادة للطائرات، التي نشرها الروس في الشمال السوري بعد أسابيع قليلة من بدء عملياتهم الجوية.

وقد أشار بوتين في كلمته يوم 17 مارس/آذار، خلال استقباله للعسكريين العائدين من سوريا، إلى استعداد بلاده للعودة إلى سوريا خلال ساعات، بمعنى إعادة بناء القوة الجوية في قاعدة حميميم، إن تطلبت الأوضاع ذلك.

ولكن، وبالرغم من هذا التهديد، وبالنظر إلى ردود الفعل الكبيرة التي ولَّدها قرار سحب “معظم” القوة الجوية، فإن السؤال الثاني المهم الذي يطرحه القرار الروسي هو: لماذا قرَّر بوتين اتخاذ خطوته هذه في هذا الوقت؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التذكير بالأسباب التي دفعت موسكو إلى إرسال قوة جوية مهمة إلى سوريا والتورط بصورة مباشرة في النزاع السوري.

محركات التدخل العسكري

اتخذ بوتين قرار المشاركة العسكرية المباشرة والمحدودة في الأزمة السورية في ظل ظروف دولية وسورية خاصة؛ فمن ناحية، كانت روسيا قد خسرت، وإلى حدٍّ كبير، معركة أوكرانيا، وأصبحت ملزمة أمام القوى الغربية، الأوروبية والأميركية، بتنفيذ اتفاق مينسك الثاني حول التوصل إلى حلٍّ للنزاع في شرق أوكرانيا.

وقد تسبَّب النزاع في أوكرانيا وقيام موسكو بضم شبه جزيرة القرم في فرض عقوبات مالية واقتصادية قاسية على روسيا، وتراجع كبير في العلاقات الغربية-الروسية. كما أن القوى الغربية أبدت عدم اكتراث واضح لرفض موسكو استمرار توسع الحلف الأطلسي في شرق أوروبا والبلقان.

إضافة إلى ذلك، فإن سقوط بعض حكومات دول الثورات العربية والحُكم الأوكراني الموالين لموسكو رسَّب قلقًا عميقًا في أوساط القيادة الروسية من أن الغرب يستخدم نشر الديمقراطية للإطاحة بمن يريد من الدول، مما قد يهدد نظام الحكم الروسي نفسه في المستقبل.

على مستوى الوضع السوري، حققت مجموعات الثوار السوريين تقدمًا مستمرًّا خلال ربيع وصيف 2015 في حربها ضد نظام الأسد، سيما في شمال وجنوب سوريا، إضافة إلى ريف اللاذقية الساحلي. ويُعتقد بأن زيادة كبيرة في الدعم التسليحي من تركيا والسعودية وقطر، إضافة إلى نجاح المجموعات السورية المسلحة في إقامة غرف تنسيق محلية في الجبهات الساخنة، ساعدا معًا على ترجيح كفة الثوار السوريين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.