هيومن فويس: وكالات

التطورات العـ.ـسكرية الأخيرة في الاقـ.ـتتال الليبي معروفة، ففي هذه الجولة من معـ.ـركة طرابلس تنـ.ـدحر قـ.ـوات الجـ.ـنرال خلـ.ـيفة حفتر، وتفقد مواقع استراتيجية مهمة مثل قاعـ.ـدة (الوطـ.ـية) الجوية، وقد تكون خسـ.ـارة مدينة (ترهـ.ـونة) ذات الأهمية العسكرية لحـ.ـملته المنتـ.ـكسة مسـ.ــألة وقت، وفي المقابل تتقـ.ـدم قوات حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السـ.ـراج القائد السياسي المدني.

لمعارك التي تدور على عدة جـ.ـبهات تُغير فعلياً معادلة الحـ.ـرب، وتقلب موازينـ.ـها، وتكـ.ـسر حـ.ـصار طرابلس، وتُـ.ـوطد أقدام حكومة السراج، وتقوي مركزها العسـ.ـكري ثم التفاوضي في المستقبل، وتعـ.ـري حفـ.ـتر، وتدلل على أن استمرار الرهان عليه خسارة ماثـ.ـلة للعيان، وتوريط للعواصم العربية والأجنبية الداعمة له في حـ.ـرب عدمية مدمـ.ـرة لليبيا، وقـ.ـاتلة لأحلام مواطنيها في الاستقرار والسلام الاجتماعي والـ.ـعيش الكريم.

وحتى النظر إليه من جهات ليبية ودولية باعتباره قادراً على بسط النفوذ على كامل التراب الليبي، لإنهاء الانقسام، وإخراج البلاد من الفوضى والأزمة، ولو على حساب تأجيل الحل الديمقراطي، لم يكن تقديراً موفقاً، فالإخفاق السياسي والعسكري ملازمان له، ذلك أن حصاره للعاصمة طرابلس تجاوز عاماً كاملاً دون أي تقدم (بدأ 4 أبريل 2019)، رغم أنه مدعوم جيداً من الخارج بالمال والسلاح والتدريب والمـ.ــقاتلين والإسـ.ـناد السياسي.

كان بمقدور الجنرال أن يكون مختلفاً في إدارته للصراع بأن يُظـ.ـهر وجهاً ديمقراطياً، وترحيباً بالحـ.ـريات، وبأنه لا عودة إلى الديكـ.ـتاتورية، وأن هدف التحرك العـ.ـسكري ليس كسر القوى المنافـ.ـسة القـ.ـلقة من تركيبته الشخـ.ـصية والنـ.ـفسية وعـ.ـقليته الأمنيـ.ـة، إنما لمحاصرة الجماعات المـ.ـتطرفة فعلياً، وقـ.ـطع الطـ.ـريق على تنظيمات إرهـ.ـابية قادمة من الخارج، وتحريك السلام، والدفع باتجاه جلوس كل الـ.ـمتصـ.ـارعين على الطاولة، بما فيهم الكتائب المـ.ـسلحة التي تقبل بالانخراط في العـ.ـملية السياسية والتخلي عن سلاحـ.ـها، للحوار والتفاوض لإنجاز مشروع الحل التوافقي الوطني المرضي للجميع.

الفرص الضـ.ـائعة:
وقد توفرت فرص عديدة لإنجاز تسويات سياسية سلمية أبرزها اتفاق الصخيرات بالمغرب 17 ديسمبر 2015، لكنه تمرد عليه، ومؤخراً أسقطه، وفـ.ـوض نفـ.ـسه لإدارة ليبيا في أحلام يقظة، وجاءت فرصة أخرى قبل هـ.ـجومه على العاصمة بأيام في اجتماع جامع لكل القوى الليبية وقام بإفـ.ـشاله عندما تحرك نحو طرابلس، وكانت هناك فرص بعد حـ.ـصار العاصمة في اجتماعات موسكو وبرلين وجنيف هذا العام، بجانب دعوات عديدة من الأمم المتحدة بإيقاف القتال والتوجه للحل السياسي، لكنه العناد المـ.ـدمر، وسراب النصـ.ـر العسكري.

المبعوث الأممي السابق في ليبيا غسان سلامة كان عميقاً في وصف حفتر عندما قال إنه ليس أبراهام لينكولن، وليس بذلك الديمقراطي الكبير، وأن مشروعه السياسي لا يناسب قطاعاً لا بأس به من الشعب الليبي، هذا القطاع هو معظم الليبيين، فالرئيس الأمريكي لينكولن قاد بلاده خلال الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر(1861-1865)، وحافظ عليها، وألغى العبودية، وكان ديمقراطياً حقيقياً، ودفع حياته ثمناً لمواقفه الوطنية النبيلة (15 أبريل 1865)، ولهذا خلد التاريخ اسمه، أما الجنرال الليبي فإنه يحكم المناطق التي يسيطر عليها بقبضة من حديد، وهذا ما يُفزع كثير من الليبيين من ديكتاتورية عسكرية قادمة، ويجعلهم يقاومون هذا المشروع، ويسقطون مرتين خطته لدخول العاصمة، وإعلان نفسه زعيماً لليبيا من فوق الدبابة.

الحقيقة السر، ليس سراً، وهذه المـ.ـيزة والدرس المستفاد لمن أراد أن يكون مـ.ـرنا وذكـ.ـياً ويفهم متخليـ.ـاً عن المـ.ـكابرة، تركيا فرضت نـ.ـفسها وصارت رقماً مهماً في المعادلة الليبية على الأرض حالياً، وفي تغيير الأوضاع ليس من النقـ.ـيض إلى النقيض، إنما في وضع حاجز صلـ.ـب أمام حلم الـ.ـجنرال بإسقاط العاصمة وإكمال السيطرة على الساحل الغربي ومناطقه.

بل وجب عليه التفكير في كيفية حمـ.ـاية مواقعه شرقاً وسبها جنوباً، فقد تخطط قوات الوفاق، إذا سيطرت على (ترهونة) في تطوير القتال مستفيدة من النجاحات الأخيرة، ومن امتلاكها قاعـ.ـدة عسكرية استراتيجية (الوطية) تجعل يديها طويلتـ.ـين في الوصول أبعد مما كانت تحلم يوماً، ومستفيدة أيضاً من الدعم العسكري التركي ومنظومات السـ.ـلاح المتطورة من طائـ.ـرات مسيرة مسـ.ـلحة ومن أنـ.ـظمة دفاعـ.ـات جوية حديثة وتدريب واسـ.ـتشارات عسـ.ـكرية وتوافد عناصر مقـ.ـاتلة لدعم صـ.ـفوفها.

الوجود التركي

من الضروري النظر إلى أن الفريق العربي والأجنبي الداعم للجـ.ـنرال حفتر كبير وقوي وسـ.ـخي وهو يشمل: مصر والسعودية والإمارات والأردن وفرنسا وروسيا واليونان وقبرص، مـ.ـقابل دولتين فقط تدعـ.ـمان السـ.ـراج هما تركيا وقطر، أما أمريكا فهى تتأرجح بين الاثنين، وإيطاليا تنتـ.ـهج طريقاً وسطاً، ورغم هذا الإسناد الواسع لكن حفتر يـ.ـعجز عن إكمال المهمة في باقي التراب الليبي.

والوجود التركي في ليبيا يجب النظر إليه والتدقيق فيه ومحاولة استيعاب كيف ولماذا حصل رغم تنديد المتدخلين به، واعتبار بعضهم أنه احتلال؟

ذهاب الأتراك إلى ليبيا كان واضحاً، وفي رابعة النهار، وبعبارات صريحة، قالوا: نحن ذاهبون لدعم الحكـ.ـومة الشرعية في طرابلس بناء على طلبها، ووفقاً لاتفاقيات عسكرية وأمنية دفاعية مبرمة معها، ويبدو أن هناك إرادة دولية ما في تمرير الوجود التركي، أمريكية غالباً.

وعندما تقرأ تصريحات أردوغان تجده يتحدث عن دحـ.ـر حفتر، ودعم الحكومة الشرعية، وعندما تقرأ بيانات البلدان الداعمة للجنرال، لا تجدها تعكس مواقفها الصريحة، إنما فيها غموض والتفاف ومحاولة إخفاء الانحيازات المعروفة، كأنها تمارس تقية سياسية.

ولهذا، منذ عقد أردوغان اتـ.ـفاقا عسكـ.ـريا مع حكومة الوفاق، وهو يتصـ.ـرف أمام العالم كما يشاء، وينفذ أجنـ.ـدة الحماية الأمنية كما خطط لها، ويرسل الـ.ـسلاح والقـ.ـوات والعناصر والخـ.ـبراء العسكـ.ـريين، ويتحدى الجميع، ويـ.ـبشر بالأخبار السارة قبل أن تحدث بأسبوعين كما المح لذلك في 4 مايو الجاري، وتتحقق تلك الأخبار بسقوط قاعدة (الوطـ.ـية) في أيدي حكومة الوفاق الإثنين 18 مايو، وينـ.ـسج وزير دفاعه خلوصي أكار دون مواربة على نفس نغمة التصريحات قائلاً الأربعاء الماضي: إن تدخل بلاده قلب الموازين في ليبيا عقب الخدمات الاستشارية والتدريبات التي قدمها الجيش التركي لقـ.ـوات حكومة السراج.

ماذا فعل العرب والعجم أمام التبشيـ.ـر الأردوغـ.ـاني بالأخبار السـ.ـارة الآتـ.ـية قريباً من ليبيا؟، وماذا قالوا رداً على تصريح خلوصي أكار؟. كلامهم مثل الـ.ـغمام والضـ.ـباب وعباراتهم مـ.ـطاطة فضـ.ـفاضة ، ليتهم صرحاء ويعلنون أنهم يحاربون معركة جنرال الشرق لتمكينه من حكم ليبيا بدل الازدواجية، وليتهم تدخلوا جادين لدفع الطرفين إلى التسوية السياسية بضمانات عربية ودولية قبل نزول التركي على شواطئ طرابلس وقيامه بتغيير الموازين العسكرية في ساحات المعركة.

تركيا دولة كبرى في إقليم الشرق الأوسط، قدراتها ضخمة، وهى ضمن أكبر عشرين اقتصاداً في العالم، وجيشها قوي، وهو في المرتبة الثانية بعد الجيش الأمريكي في حلف الناتو، ولها وجود عسكري في سوريا وليبيا ولها قوات في العراق وعلى حدوده، وتواجه حزب العمال الكردستاني داخل تركيا وخارجها، أي إنها جاهزة للقيام بأدوار خارج حدودها بغض النظر عن تقييم هذه الأدوار ومدى إيجابياتها وسلبياتها، وما نقوله هنا تقرير واقع.

والقرار التركي في الشأن الداخلي والخارجي ليس لحاكم فرد، أو حزب وحـ.ـيد يتم مفاجأة الشعب به، إنما هو قرار منظومة يُتخذ بعد مناقشـ.ـات طويلة لأن عواقب فشله وخيمة على الرئيس ونظامه وحكومته في ظل وجود برلمان متنوع التيارات السياسية، وأحزاب معارضة حرة، وإعلام مستقل، وانتخابات مبرمجة، وعملـ.ـية ديمقراطية مستمرة، وهذا يجعل آلية صنع القرار مؤسسية، وهو ما لا يحصل في القرارات التي تصدر من عواصم كثيرة في المنطقة، لهذا تتـ.ـورط في صـ.ـراعات، وقد تساهم في إبقاء النيران مشتعلة، ولا تجيد اختيار الوقت والحلول المناسبة.

ما تريد:

لهذا تفعل تركيا ما تريده في ليبيا، وتتحرك في شرق المتوسط لحماية مصالحها الاقتصادية، ولا مانع أن تصف ذلك بالبلطـ.ـجة، المهم أن تفرض نفسك وشروطك وتحقق أهدافك وتصون مصالحك، فأمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، قوى العالم الكبرى، ليست دول الأخـ.ـلاق الحـ.ـميدة، ولا هى فرسـ.ـان السـ.ـماء، أو ملائكة الرحـ.ـمة للبشـ.ـرية المُـ.ـعذّبة، إنهم يرتـ.ـكبون السيئات والشـ.ـرور كلها، السياسة العالمية ليست أخـ.ـلاقية.

ليتدخل العرب كما يشاؤون في ليبيا، وسوريا، واليمن، والعراق، ولبنان، وفي كل بلد يعيش أزمة، لمنع تدخل الأجنبي وساطة أو احتلالاً، وحرمانه من الابتزاز وجني المصالح، ولأجل الحل السياسي الصحيح والمأمون، الذي يصب في صالح الشعوب، ولا يكرس حكم الفرد والنظام الأمني والعسكري، ويقف مع الديمقراطية، والحكم المدني، وتمكين الإرادة الشعبية، ساعتها لن يكون لأمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وإيران وتركيا، وغيرهم، أي قيمة أو دور أو وجود في بلاد العرب.

المصدر: طه خليفة- الجزيرة مباشر

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أوقف اجتياحه للعاصمة وهزمه بمعقله: كيف أنهى الجيش التركي أحلام حفتر؟

هيومن فويس: وكالات التطورات العـ.ـسكرية الأخيرة في الاقـ.ـتتال الليبي معروفة، ففي هذه الجولة من معـ.ـركة طرابلس تنـ.ـدحر قـ.ـوات الجـ.ـنرال خلـ.ـيفة حفتر، وتفقد مواقع استراتيجية مهمة مثل قاعـ.ـدة (الوطـ.ـية) الجوية، وقد تكون خسـ.ـارة مدينة (ترهـ.ـونة) ذات الأهمية العسكرية لحـ.ـملته المنتـ.ـكسة مسـ.ــألة وقت، وفي المقابل تتقـ.ـدم قوات حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السـ.ـراج القائد السياسي المدني. لمعارك التي تدور على عدة جـ.ـبهات تُغير فعلياً معادلة الحـ.ـرب، وتقلب موازينـ.ـها، وتكـ.ـسر حـ.ـصار طرابلس، وتُـ.ـوطد أقدام حكومة السراج، وتقوي مركزها العسـ.ـكري ثم التفاوضي في المستقبل، وتعـ.ـري حفـ.ـتر، وتدلل على أن استمرار الرهان عليه خسارة ماثـ.ـلة للعيان، وتوريط للعواصم العربية والأجنبية الداعمة له في حـ.ـرب عدمية

Send this to a friend