هيومن فويس

“أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة (توربواتييه، بلاط الشهداء)، عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة، ألا ليت شارل مارتل قُطِعَت يدُه ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي”، ذلك ما صدح به شاعر البلاط الفرنسي أناتول فرانس متحسراً على بلاده التي أضاعت فرصة الانخراط في الحضارة الإسلامية، وقلبت ظهر المجن لنهضة فرنسية مبكرة على غرار حواضر الأندلس التي كانت تشع نوراً وعلماً في شتى ألوان العلوم وصنوف الفنون، وتلاقحت فيها حضارة الشرق القارية الحارة بالغرب الباردة، وتمازجت روح الإسلام النقية بثقافة أهل البلاد المفتوحة في تعددية لم يعرف التاريخ نظيراً أو شبيهاً لها.

آثرت أوروبا أن ترزح في دياجير الظلام والتخلف والوصاية الإلهية، ورفضت أية محاولة للتفكير خارج إرادة البابا وقساوسته ورهبانه، وأنزلوا صنوف العذاب بكل من يطرح العلم بديلاً أو مدخلاً لتفسير ظواهر الكون والطبيعة والمجتمع؛ فأعدم أكثر من 32 ألف عالمٍ بموجب قوانين الهرطقة والتمرد والخروج على سلطة الكنيسة السياسية والروحية. يقول المسيو سيديو: “لم يشهد المجتمع الإسلامي ما شهدته أوروبا من تحجر العقل، وشل التفكير، وجدب الروح ومحاربة العلم والعلماء، ويذكر التاريخ أن اثنين وثلاثين ألف عالمٍ قد أُحرقوا أحياء!”، في حين عرفت الحضارة الإسلامية ازدهاراً منقطع النظير في شتى مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية، وتنافس العلماء المسلمون على ترجمة الكتب والتنقيب عن المخطوطات لدى الأمم الأخرى، وأغدق الخلفاء العطايا على العلماء والمبدعين على اختلاف دياناتهم وألسنتهم ونحلهم.

الحقيقة التي لا يرتقي إليها الشك أن الكثير من المنجزات العلمية والاختراعات التكنولوجية الحديثة من الإبرة إلى الصاروخ مروراً بالإنسان الآلي والطائرة والمدفع وقوانين الحركة والدورة الدموية الصغرى وكاميرات التصوير تناولها العلماء المسلمون بالكثير من الإسهاب، وقاموا بتصميم الكثير من النماذج لنقل هذه الأفكار إلى الواقع العملي، وما فعله علماء الغرب تماماً هو سرقة هذه الأفكار وتطويرها أو إعادة تقديمها للبشرية في قوالب جديدة لتمرير السرقة العلمية بطريقة لبقة ومقنعة.

في سالف الأوان كان الاعتقاد السائد لدى هكتاتيوس أن الأرض قرص مسطح، وحاولت الكنيسة الكاثوليكية ترسيخ هذا المعتقد حتى عصر النهضة الإسلامية، حيث أثبت جميع علماء المسلمين كُرّية الأرض
في عام 1920م، استخدم مصطلح “روبوت” لأول مرة للدلالة على كائن خيالي في مسرحية (إنسان ورسوم الآلي الشامل) للمؤلف التشيكي كارل تشابيك وشقيقه جوزيف تشابيك، وفي عام 1948 صمم كل من العالم ويليام جراي والتر وجورج ديفول أول جهازي روبوت في بريطانيا، إلا أن فكرة الإنسان الآلي ترجع إلى العصر العباسي عندما قام مؤسس علم الميكانيكا بديع الزمان الجزري بتأليف كتاب (الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل) عام 1206 عرض فيه الكثير من الأفكار والصور لإنسان آلي يحمل في يد منشفة والأخرى ابريق لمساعدة حاكم مدينة ديار بكر على الوضوء. وقام الجزري كذلك بصناعة عشرات الساعات لضبط الوقت وتحديد مواقيت الصلاة يعتقد أنها كانت تعمل بالطاقة الهيدروليكية. يقول دونالد آر هيل المهندس البريطاني ومؤرخ علم التكنولوجيا الإسلامية ومترجم كتاب الحيل: “إن صناعة أجهزة الروبوت قد تأثرت إلى حدٍ كبير بأفكار الجزري التي انتقلت إلى أوروبا من معابر عديدة”.

هل سمعت عن الرجل الذي طار في الهواء ثم مات كما تزعم بعض المصادر التاريخية؟ أعتقد أنك سمعت عن عباس بن فرناس في معرض السخرية والتهكم على مصير إنسان يلقي بنفسه إلى الموت وهو يطير بطريقة بدائية ساذجة! لربما لا يدرك الكثير أن الفضل يعود للعالم والطبيب الأندلسي عباس بن فرناس في إرساء اللبنات الأولى لعلم الطيران الحديث بمحاولته الشهيرة تركيب أجنحة والطيران بالقفز من فوق ربوة بجوار قصر الرصافة في الأندلس والهبوط بسلام بعد فترة وجيزة. هل تعلم أن هذه الشخصية النابغة التي جرى فبركة الكثير من القصص الكوميدية حولها قد برعت في الشعر والفلسفة والهندسة والطب؟! هل تعلم أن ابن فرناس لم يمت في محاولته للطيران وظل الطبيب الخاص لحكام الأندلس من بني أمية؟ هل تعلم أن أول تجربة طيران ناجحة للأخوين رايت وتصورات العالم الفنان ليوناردو دافنشي التي تغص بها المتاحف العالمية مقتبسة من أفكار ابن فرناس؟ هل تعلم أن هنالك فوهة على سطح القمر أسمتها وكالة ناسا ابن فرناس تكريماً لجهوده في التأسيس لفكرة الطيران التي مهدت الطريق للوصول إلى سطح القمر؟

لقرون طويلة ظل اكتشاف الدورة الدموية الصغرى ينسب للطبيب الإيطالي ريالدو كولومبو والإسباني ميغيل سيرفيتو قبل أن يكشف الباحث المصري محي الدين التطاوي هذا الخطأ بعثوره على مخطوطة لكتاب ابن النفيس (شرح تشريح القانون) في مكتبة برلين عام 1924م. وقد صحح ابن النفيس ما جاء به الطبيب الإغريقي غالينوس الذي كان يعتقد بأن الدم يتولد في الكبد ويندفع بعد ذلك إلى القلب الذي يضخه إلى الشرايين وسائر أنحاء الجسم. تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكة في كتابها الشهير (شمس العرب تسطع على الغرب) متحدثة عن فضل العلوم الإسلامية: “إن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هو في حقيقة الأمر نُصب تذكاري للعبقرية العربية، وقد بقي الطب الغربي قروناً عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي”.

هل قرأت كتاب (المناظر) لعالم الفيزياء والبصريات الحسن بن الهيثم الذي أثبت أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة؟ هل تعرف شيئاً عن تجربة القُمرة المعتمة التي أجراها ابن الهيثم لتفسير فرضيته هذه. لعل الكثير لا يعلم أن تجربة الحجرة المظلمة هي الأساس الذي بني عليه صناعة الكاميرا والتصوير الفوتوغرافي لاحقاً. هل تعلم أن ابن الهيثم قد صحح الاعتقاد السائد لدى الإغريق بأننا نرى الأشكال من خلال الضوء المنبعث من أعيننا إلى الخارج، يقول نيكولاس كوبرنيكوس إن الشمس هي مركز الكون، وليس الأرض كما زعم أرسطو، إلا أن هذا الاكتشاف العلمي الكبير الذي غير مجرى العالم بأسره ليس سبقاً علمياً له فقد أشار إليه عالم الفلك نصير الدين الطوسي في مزدوجته المعروفة ب (مزدوجة الطوسي)، والتي تسربت إلى الفاتيكان بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م.

محاولات سبر أغوار الماضي المبهم والتنقيب عن التاريخ العميق للحضارة الإسلامية يظهر كيف تعرض هذا المنتج الإنساني الفريد للكثير من الكذب والافتراء، والرغبة في طمس القيمة الحضارية
في سالف الأوان كان الاعتقاد السائد لدى هكتاتيوس أن الأرض قرص مسطح، وحاولت الكنيسة الكاثوليكية ترسيخ هذا المعتقد حتى عصر النهضة الإسلامية، حيث أثبت جميع علماء المسلمين كُرّية الأرض مثل: ابن حزم، وابن خرداذبة، وابن رُستة والمسعودي، والشريف الادريسي، والقزويني وغيرهم من علماء المسلمين. أما في مجال العمارة والزخرفة والنقش فقد أبدع المسلمون في تشييد القصور والمساجد المبهرة، وإقامة المدن السكنية بروح جديدة. وأبدع الحكام الإسلاميون للهند المنحدرون من أصول مغولية في هندسة الأضرحة أشهرها على الإطلاق تاج محل الذي بناه الملك شاه جهان تخليداً لزوجته الجميلة ممتاز محل التي توفيت بعد فترة وجيزة من ولادة طفلها الرابع عشر. يقول المستشرق الروسي جرابر:” إن العمارة الإسلامية نشأت بوصفها ظاهرة فريدة متميزة بذاتها انبثقت عن مجموع كبير معقَّد من الأشكال السابقة عليها أو المعاصرة لها “.

كذلك ابتكر المسلمون الإمبيق لتقطير الماء، وصنعوا الاسطرلابات وشيدوا المراصد لعمل جداول فلكية، واكتشفوا قوانين الحركة، ووضعوا نظام الترميز وفك الرسائل المشفرة، ورسموا خطوط الطول ودوائر العرض واحداثيات يرمورفولوجية أكثر دقة، وعبروا بحر الظلمات إلى أمريكا قبل كولومبوس، وعرفوا عدسات تحسين البصر، ومئات النفائس التقنية التي مهدت لولادة النهضة الأوروبية لاحقاً.

إن محاولات سبر أغوار الماضي المبهم والتنقيب عن التاريخ العميق للحضارة الإسلامية يظهر كيف تعرض هذا المنتج الإنساني الفريد للكثير من الكذب والافتراء، والرغبة في طمس القيمة الحضارية لثورة اجتماعية وثقافية وفكرية استطاعت أن تقفز على سلم الحضارة وتفرض نمطها الخاص بسرعة مذهلة، وسواء كانت الحضارات هذه قد توسدت التراب سريعاً أو بقيت تكابد نزعات الموت ببطء وقسوة، إلا أنه من غير المعقول أن تسرق منجزات الأمم وبراءات علمائها وتنسخ مخطوطاتهم بذات الدموية التي تدرج بها تاريخ أوروبا، والهمجية التي لا تعترف بالملكية الفكرية للآخر.

لا نرجو من كتابة المقالة هذه البكاء على أطلال الماضي، والعيش في كنف الذكريات المريرة، أو الترويج لبعض مآثر المستشرقين الذين فشلوا في أن يحولوا اقتناعهم بالحق إلى اعتناقٍ له، وإنما إماطة اللثام عن عيون الكثير من المسلمين الذين لا يرون في الإسلام سوى الرجعية والفتن والانكسار، ولا يعرفون فضل هذه الرسالة الحضارية السمحاء التي أدخلت الأمم الوحشية إلى رحاب الإنسانية، يقول غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) :”إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوروبية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا، وإن جامعات الغرب لم تعرف مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدنوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً”.

رابط المصدر تجدها هنا: مدونات الجزيرة- معاذ أحمد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ماذا ربحت أوروبا بانحسار المسلمين؟

هيومن فويس "أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة (توربواتييه، بلاط الشهداء)، عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة، ألا ليت شارل مارتل قُطِعَت يدُه ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي"، ذلك ما صدح به شاعر البلاط الفرنسي أناتول فرانس متحسراً على بلاده التي أضاعت فرصة الانخراط في الحضارة الإسلامية، وقلبت ظهر المجن لنهضة فرنسية مبكرة على غرار حواضر الأندلس التي كانت تشع نوراً وعلماً في شتى ألوان العلوم وصنوف الفنون، وتلاقحت فيها حضارة الشرق القارية الحارة بالغرب الباردة، وتمازجت روح الإسلام النقية بثقافة أهل البلاد المفتوحة في تعددية لم يعرف التاريخ نظيراً أو شبيهاً لها.

Send this to a friend