هيومن فويس

توحي التصريحات الروسية بأن “اتفاق إدلب” الأخير قد يكون مؤقتاً، وأن هناك احتمالية لعودة التهديد الروسي واقتحام المدينة السورية من جديد، ووضع تركيا في موقف يُحمّلها مسؤولية فشل الاتفاق.

وجرى الاتفاق بين تركيا وروسيا، في منتصف سبتمبر الماضي، ويقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح بمحافظة إدلب التي تضم ما يقرب من ثلاثة ملايين شخص، وكانت على موعد مع هجوم وشيك من قبل النظام السوري وحلفائه من المليشيات الإيرانية والقوات الروسية.

كما يقضي الاتفاق بانسحاب مقاتلي المعارضة من المدينة بحلول منتصف أكتوبر المقبل، وإقامة المنطقة منزوعة السلاح على عمق ما بين 15 و20 كيلومتراً، وتمتد على خط التماس بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام السوري، وستقوم القوات التركية والروسية بدوريات فيها.

وعقب الاتفاق، تأتي التصريحات الروسية متضاربة، إذ إن “هناك جزءاً منها يأتي لطمأنة تركيا ولا يريد عودة ابتزازها، وجزء آخر ما يزال يؤكد أن الاتفاق من الممكن أن يكون مؤقتاً، وهذا بحسب تصريحات النظام نفسه حول الأمر”، وفق ما يقول الكاتب والباحث السوري أحمد أبازيد.

الزخم التركي 

وتبقى روسيا “متحفزة” لأي فرصة تظهر فيها أن الاتفاق لم يتم تنفيذه، ومن ثم تكون الحملة العسكرية قائمة.

ويرتبط ذلك وفق ما يوضح أبازيد لـ”الخليج أونلاين” بـ”مقدار الزخم التركي الذي يمكن أن تضخه أنقرة في المنطقة، ويمنع وجود أي اقتحام نحوها”.

ولكن حتى الآن لا يزال الاتفاق “غير مستقر ولم يأخذ شكله النهائي”، وهو مرهون بسلسلة من الإجراءات مرتبطة بالمنطقة منزوعة السلاح، وإخراج “المتطرفين”، وفق ما يقول أبازيد.

ويشير الباحث السوري لـ”الخليج أونلاين” إلى العادة الروسية التي “تنقض الاتفاقيات أو تفخخها بوضع نقاط يختلف تفسيرها بين الجانبين”. ويشير إلى أنه “من المحتمل قيام الاختلافات بين تركيا وروسيا من جديد”.

وتحاول روسيا إيجاد “فرصة لابتزاز تركيا على الأقل لتحصيل مكاسب ونفوذ إضافي بالمنطقة، إذ إنه حتى الآن لا يوجد توافق نهائي إن كان سيكون هناك دوريات روسية بالمنطقة العازلة أو على الطريق الدولي، وإن كان هناك عودة لمؤسسات النظام بالمنطقة، في حين لا تزال الفصائل تضع احتمالية وجود التهديد الروسي وتبني خطط دفاعية بالمنطقة، والتوجس قائم”، وفق ما يوضح أبازيد.

إجراءات تركية لتنجب الصدام

ولتجنب الصدام التركي مع روسيا، يرى أبازيد أنه يقع على عاتق أنقرة الكثير من الإجراءات لتحقيق الاتفاق.

ويقول: “تركيا أمامها فرصة لتكثيف وجودها العسكري في إدلب ليس عن طريق نقاط مراقبة فقط، إذ من الممكن أن تبني قواعد عسكرية أو غيرها بحيث يصبح تجاهلها أو تهميشها من المنطقة صعباً. مثل ما فعلت سابقاً في منطقة ريف حلب الشمالي والشرقي”.

كما عليها، وفق ما يقول أبازيد، “حل عقدة الجهاديين والمقاتلين الأجانب، وهذا لا يكون مسؤولية تركيا فقط، إذ يجب عليها تدويل هذا الملف لإزاحته عن عاتقها”.

وهذه الدول يجب أن تتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها، على الرغم من عدم تعامل الدول مع مقاتلي “داعش” من قبل. وهناك مسؤولية حقوقية على الدول بإعادتهم وإيجاد حل لهم، ولا تقع هذه المسؤولية على تركيا فقط، وفق ما يؤكد الباحث السوري.

ويشير إلى أن “تركيا حريصة على حسم هذا الملف ولكنها تتجنب الحل العسكري، وتبحث عن حل سلمي” حتى الآن.

الفصائل المسلحة 

المنطقة التي يفترض أن تكون منزوعة السلاح تشمل “شمال إدلب الغربي وحتى جنوب إدلب، وهي منطقة كاملة حول حدود المدينة”، وفق ما يوضح أبازيد.

ويبين لـ”الخليج أونلاين” أنها “تشمل أكثر من فصيل، وأغلبها تحت سيطرة الجبهة الوطنية للتحرير وهي مظلة الجيش الحر، وجيش العزة في ريف حماة الشمالي، وفصيل الحزب التركستاني الإسلامي ومن غير الواضح كيف سيكون التصرف التركي معه، وفصائل أصغر سواء كانت أجنبية أو محلية”.

وتعد السيطرة في إدلب أغلبها مشتركة، بمعنى أن هناك مناطق خاصة لكل جهة، وفي الوقت ذاته معظم المدينة الريفية تخضع لنفوذ مشترك سواء من هيئة تحرير الشام أو الجبهة الوطنية للتحرير.

وتنتشر “هيئة تحرير الشام” في العديد من المناطق، من ضمنها المناطق المشمولة بالمنطقة المعزولة، وهي الفصيل الوحيد الذي لم يصدر بياناً أو رداً حول الاتفاق الأخير، على الرغم من إصدار جميع الفصائل والتنظيمات لبيانات سواء كانت ترحيبية أو رافضة.

ويقول أبازيد: إن “سبب ذلك على ما أعتقد أنها لم تصل إلى حل توافقي مع تركيا ولا تريد أن تحسم موقفها قبل ذلك، وهي تخشى الاصطدام بأأنقرة، وليست في صدد إصدار بيانات استفزازية تكون مبرراً لنقض الاتفاق التركي-الروسي أو قيام حملة تركية ضدها”.

ولهذا لم تحسم الخطوة القادمة ولم تتوصل مع أنقرة لاتفاق.

ويبين أبازيد أن “هيئة تحرير الشام كان فيها أكثر من تيار، خاصة بعد التحول من جبهة النصرة إلى الهيئة، والتيار الأكثر تشدداً والمؤدلج مع القاعدة بشكل صلب (حراس الدين) انفصل، وما تبقى أصبح مرتبطاً تنظيمياً أكثر ممَّا هو مرتبط أيديولوجياً”.

حجج روسية

ولا تزال لدى الهيئة سلطة أمنية وعسكرية في المنطقة، “وهي ليس لديها مشكلة بالتماشي مع اتفاق إدلب، لكن الاتفاق قد لا يقبل بها، وخصوصاً أنها صنفت كجماعة إرهابية”، والروس يؤكدون ذلك، وفق ما يوضح أبازيد.

ويقول الباحث السوري لـ”الخليج أونلاين”: إن “بقاء الهيئة حتى لو أثبتت تبنيها لسياسة الاعتدال والقبول بالاتفاقات الدولية لا أعتقد أنه سيكون مجدياً. وسيبقى هناك حجة روسية بأن الاتفاق لم يتم تنفيذه”.

وهذا ما حصل في “أستانة”، إذ يقول أبازيد: “كان الاتفاق ينص على محاربة المتطرفين والإرهابيين وتركيا لم تحارب الهيئة، ومن ثم اعتبرت روسيا أن تركيا لم تنفذ الاتفاق، وبقاء الهيئة بهذا الاسم والتنظيم والقيادات المصنفة لن تكون حالة مقبولة ترُكياً لأن تركيا تريد نزع أي حجة في حال نقض الاتفاق”.

تركيا لم تشرع في تنفيذ حل عسكري تجاه الهيئة أو غيرها ولا أحد حسم حل الأمر، حتى الآن، يضيف الباحث.

ويرى أن “تركيا تراهن على إمكانية حلّ الهيئة لنفسها وأن العناصر غير المؤدلجين والمصنفين يمكن أن يتم استيعابهم ضمن تشكيلات أخرى، ولكن أسماء معروفة مثل أبو محمد الجولاني (قائد الهيئة العام) لا أعتقد أنه سيكون له مكان في أي تشكيل تتعامل معه تركيا”.

ويتابع: “أعتقد أن الهيئة تخشى من حصول حملة تركية مع الفصائل ضدهم، إذ إن تجربة درع الفرات ماثلة أمامهم، ولذا يبحثون عن حل سلمي”.

وبشكل عام، يقول أبازيد: إن “هذه الجماعات يتبقى لديها خبرة في التخفي والكمون وإعادة الانتشار لاحقاً والنشاط بشكل غير علني”، وهذا سيدفع روسيا إلى وضع أصابع الاتهام باتجاه تركيا وتحميلها المسؤولية.

الخليج أونلاين

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

إدلب..روسيا تتربص وتركيا تتجنب الصدام

هيومن فويس توحي التصريحات الروسية بأن "اتفاق إدلب" الأخير قد يكون مؤقتاً، وأن هناك احتمالية لعودة التهديد الروسي واقتحام المدينة السورية من جديد، ووضع تركيا في موقف يُحمّلها مسؤولية فشل الاتفاق. وجرى الاتفاق بين تركيا وروسيا، في منتصف سبتمبر الماضي، ويقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح بمحافظة إدلب التي تضم ما يقرب من ثلاثة ملايين شخص، وكانت على موعد مع هجوم وشيك من قبل النظام السوري وحلفائه من المليشيات الإيرانية والقوات الروسية. كما يقضي الاتفاق بانسحاب مقاتلي المعارضة من المدينة بحلول منتصف أكتوبر المقبل، وإقامة المنطقة منزوعة السلاح على عمق ما بين 15 و20 كيلومتراً، وتمتد على خط التماس بين مقاتلي المعارضة وقوات

Send this to a friend