هيومن فويس

في ردود وتعاطي أنقرة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع العملية العسكرية الواسعة في إدلب، بدا وكأن الطرفان يقفان في ذات الخندق إزاء هذه القضية. كلاهما حذر من العواقب وشدّد على الجانب الإنساني والكلفة الدموية العالية المتوقعة في صفوف المدنيين. وكلاهما نأى عن التهديد بالرد والتدخل العسكري بالرغم من تسليمه الضمني بأن النتيجة معروفة سلفاً.

توافق واضح في المقاربة والموقف، بقطع النظر عن تباين الحسابات والغايات وعن حالة التباعد الراهنة بين الحليفين المتنافرين. فهل يستمر هذا التلاقي التركي- الأميركي ويتطور نحو رأب الصدع بينهما في مرحلة ما بعد معركة إدلب، المتوقع أن تنتهي بتعزيز المكاسب الجيوسياسية الروسية والإيرانية في سورية على حساب تركيا؟

فشل قمة طهران يوم الجمعة يجعل هذا الاحتمال غير مستبعد. أو على الأقل يفتح الباب في هذا الاتجاه. بعض القراءات الأميركية لمّحت إلى ذلك من زاوية الانعكاسات السلبية المحتمل أن يتركها “التأزم” التركي – الروسي حول إدلب.

وقد تبدّى ذلك في القمة “التي سادها التوتر”، والتي خرج منها الرئيس رجب طيب أردوغان من دون أن يقوى على انتزاع موافقة شريكيه فلاديمير بوتين وحسن روحاني على أي من مطالبه، سواء عرضه “لوقف إطلاق نار أو منحه المزيد من الوقت لمعالجة موضوع المقاتلين المتشددين”.

إصرار بوتين على العملية العسكرية ورفضه تأجيلها بحجة حماية المدنيين “غير المقبولة”، وضع أنقرة في موقف صعب لا يخلو من المرارة. فمنطقة إدلب جرى تصنيفها عام 2016 كواحدة من مناطق “خفض التوتر” تحت إشراف القوات التركية. وسحب هذه الوضعية عنها الآن من دون موافقة تركيا، جعل هذه الأخيرة تبدو وكأنها لعبت دور الناطور لمنطقة إدلب ولغاية أن يأتي دورها في الانقضاض عليها.

إدارة ترامب غير معترضة على هذا الانقضاض، واكتفت بالتعبير عن القلق من كلفته على المدنيين وبتحميل “روسيا ودمشق مسؤولية التصعيد ومحاسبتهما عليه”، كما قالت الخارجية الأميركية ومن دون توضيح لكيفية المساءلة. فقط لتسجيل موقف ورفعاً للعتب. لكن الإدارة شددت فقط على الكيميائي حتى لا تضطر إلى الرد الذي لا تريده، وحذر مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون من استخدام الكيميائي في إدلب، وكذلك فعل رئيس هيئة الأركان الجنرال جوزف دانفورد الذي حذر نظيره الروسي “من رد عسكري لحظة التأكد من استعمال هذا السلاح” في إدلب.

ما عدا ذلك، لا اعتراض أميركيا على العملية التي تتعارض مع مصلحة الحليف التركي وتخدم واشنطن في تعزيز التباعد بين أنقرة وموسكو.

الأزمة التركية – الأميركية جرى وضعها مؤخراً في الثلاجة مع “متابعة الاتصالات” بين الجانبين، حسب تعبير وزارة الخارجية الأميركية. واشنطن فرملت التدهور وتركت خط الرجعة مفتوحاً بالرغم من حدة النفور وتراكم الخلافات. البيت الأبيض مشغول بهمومه المحلية. فريق الأمن القومي والسياسة الخارجية يعمل على تقليل الخسائر في الخارج وبالذات مع تركيا التي تنبّه نخب وجهات أمنية وعسكرية سابقة من مغبة دفعها إلى أحضان روسيا.

ومنها من يبدي عدم ارتياحه للتصعيد الذي تعمّده الرئيس ترامب مع “الحليف التركي” من خلال حرب الرسوم الجمركية التي ساهمت في هبوط الليرة التركية. ولم يكن من غير مدلول أن تحرص واشنطن على مقاربة عملية إدلب من نفس المنظار التركي ولو في الشكل، لناحية التركيز على الجانب الإنساني لعملية إدلب والدعوة إلى استبدالها بمطاردة انتقائية تستهدف مقاتلي التنظيمات المتشددة بدلاً من الاجتياح الشامل للمنطقة.

واشنطن لعبت على الحبلين علّ المواجهة في إدلب تبعد أنقرة عن موسكو بحيث تصبح الطريق سالكة لرأب الصدع مع واشنطن. فالرئيس أردوغان يتصرف وفق ما يراه من منظوره مناسباً لتركيا. استبدل خصومته مع روسيا بالتقرب منها على حساب واشنطن، عندما دعته الحاجة. وليس ما يمنعه من الانقلاب على هذا التقارب إذا اقتضى الأمر. العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل تكون إدلب بوابة واشنطن لرأب الصدع مع أنقرة؟

هيومن فويس في ردود وتعاطي أنقرة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع العملية العسكرية الواسعة في إدلب، بدا وكأن الطرفان يقفان في ذات الخندق إزاء هذه القضية. كلاهما حذر من العواقب وشدّد على الجانب الإنساني والكلفة الدموية العالية المتوقعة في صفوف المدنيين. وكلاهما نأى عن التهديد بالرد والتدخل العسكري بالرغم من تسليمه الضمني بأن النتيجة معروفة سلفاً. توافق واضح في المقاربة والموقف، بقطع النظر عن تباين الحسابات والغايات وعن حالة التباعد الراهنة بين الحليفين المتنافرين. فهل يستمر هذا التلاقي التركي- الأميركي ويتطور نحو رأب الصدع بينهما في مرحلة ما بعد معركة إدلب، المتوقع أن تنتهي بتعزيز المكاسب الجيوسياسية الروسية والإيرانية

Send this to a friend