هيومن فويس

تتجدد المخاوف بشأن مصير محافظة إدلب ومحيطها مع عدم وجود ملامح اتفاق روسي – تركي واضح لاحتواء جبهة النصرة وحل ملفها، وغياب المؤشرات التي تدل على توصل الدولتين الحليفتين إلى اتفاق حول مصير الشمال السوري، في ظل مفاوضات مستمرة بين أنقرة والتنظيمات الجهادية التي يرجح ان تتعرض بسبب تعنتها إلى عملية تحول قسري تمر بانفكاك بعض التشكيلات الأساسية عنها، وخلق نزاع داخلي بين التيارين المتشدد والبراغماتي، وذلك في سبيل تجنيب إدلب المعركة المرتقبة، والتي يرجح أن تكون بمثابة «عملية جراحية» غير شاملة بما يتطابق مع الرؤية الروسية مع مراعاة الهواجس التركية.

حشود عسكرية

وفي الوقت المستقطع تبرز رسائل ساخنة بين اللاعبين الدوليين، فقد أرسلت أنقرة عبر أذرعها العسكرية المنتشرة في المنطقة المتمثلة بـ»الجبهة الوطنية للتحرير» وغرفة عمليات درع الفرات برسالة من الميدان إلى الأطراف الفاعلة تؤكد جاهزية المقاتلين المؤتمرين بإمرتها لصد أي هجوم مقبل على محافظة إدلب ومحيطها وتجهيز التحصينات الدفاعية اللازمة إلى جانب الخطط الهجومية المتناسقة، فيما يكثف الروسي من ضغطه على الجانب التركي لحثه على الاستعجال في حسم قضية ترتيبات إدلب الأمنية والعسكرية، ودفع تيارات منها لطلب تسوية، أما النظام السوري فيجتهد في عرقلة أي اتفاق محتمل يلجم شرارة المعركة.
وبالرغم من الحديث عن طلب أنقرة مهلة لتأجيل أي عمل عسكري ضد مناطق نفوذها، الا ان الوقائع تشير إلى ان قرار الحرب بيد روسيا، وما يؤجلها لغاية الآن انتظار نتيجة المباحثات واللقاءات الروسية – التركية للتعامل مع الملفات الإشكالية ومنها كيفية التعاطي مع التنظيمات المصنفة «إرهابية».
الحشود العسكرية التي يقوم بها النظام، فسرها الباحث السياسي أيمن الدسوقي على أنها محاولة روسية للضغط على الجانب التركي لحثه على الاستعجال في حسم قضية إدلب، واستثارة التناقضات داخل المحافظة والدفع في سبيل طلب تسوية على غرار ما حصل في درعا جنوباً.

النصرة أمام تحول

وحسب رؤية المعارض السوري فإن النظام يعمل على تخريب محاولات التوصل إلى اتفاق تركي – روسي في إدلب، ليعطي لنفسه الذريعة بشن هجوم واسع النظام على عكس ما تريده روسيا عبر هجوم محدود على محاور معينة، ويحاول أن يقوي موقفه بالإيراني، وهو ما تؤكده زيارة وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي إلى نظيره السوري في دمشق والاتفاقيات العسكرية التي وقعت بينهما بالأمس، مضيفاً ان «حسم ملف إدلب هو اختبار للعلاقة الروسية – التركية ولمسار أستانة، فإذا ما تم التوافق على رؤية روسية – تركية مشتركة لحسم الموضوع في إدلب، عندئذ يمكن لهذه العلاقة أن تتطور وكذلك لمسار استانة أن يستمر، وإلا فإن العلاقات ستشهد نوعاً من الجمود، وما يمكن لحظه أن النظام يعمل على تخريب محاولات التوصل إلى اتفاق تركي روسي في إدلب، ليعطي لنفسه الذريعة لشن هجوم واسع على عكس ما تريده روسيا».

أما فيما يتعلق بمستقبل التنظيمات القاعدية وعلى رأسها جبهة النصرة، فمن الملاحظ حسب الدسوقي، أن «هيئة تحرير الشام» قد اتخذت العديد من الخطوات في إطار محاولة شرعنة نفسها على المدى البعيد كإحدى القوى «المحلية» السورية، عبر فك ارتباطها بالقاعدة مروراً بتحالفاتها مع الفصائل ومشاركتها في عمليات عسكرية قبل أن تنقلب عليها، كذلك بقبولها انتشار النقاط التركية في مناطق نفوذها، ويدرك أبو محمد الجولاني زعيم «النصرة» أن عملية تحويل الهيئة إلى لاعب محلي سوري مقبول إقليمياً ودولياً يستلزم وقتاً ويتم على مراحل طويلة للتخلص من التيار المتشدد داخل الهيئة (الذي يتم استهدافه بعمليات الاغتيال بشكل متزايد خلال الفترة الأخيرة)، وإعادة تعريف دور الهيئة من جديد، لذلك برزت في الآونة الأخيرة مبادرات من قبيل تشكيل مؤتمر وطني عام لدمج حكومتي الانقاذ والمؤقتة وكذلك لوحظ مرونة من قبل الهيئة في الانفتاح على القوى المحلية وافساح المجال لها للمشاركة في المجالس المحلية التي شكلتها حكومة الانقاذ التابعة للهيئة (مناورة محلية وسياسية من قبل الهيئة)، ولكن تزايد الضغوط المحلية والإقليمية على الهيئة يصعب من مساعي الجولاني ويضيق عليه نطاق المناورة.

لذلك فإن خيارات الهيئة المتاحة هي إما التحول القسري بفعل الضغوط وهو مرجح حسب الدسوقي على اعتبار أن المراحل السابقة لتحول الهيئة من جبهة النصرة إلى «تحرير الشام» قد سبقتها ضغوط محلية وإقليمية على الهيئة، علماً أن هذه العملية ستكون جراحية بمعنى (تزايد عمليات الاغتيال لرموز التيار المتشدد للهيئة، انسحابها من بعض المناطق، حلها لبعض التشكيلات العسكرية أو إعلان تلك التشكيلات انفكاكها عن الهيئة، عمليات اقتتال داخل الهيئة بين تيارين متشدد وبراغماتي).
كذلك دمج نفسها بالهياكل «الحوكمية – الإدارية» (من المرجح أن يتم القبول بمبادرة المؤتمر الوطني العام وتشكيل حكومة موحدة وهو ما ستعتبره الهيئة نصراً لها ويضمن استمرارها بصيغ جديدة ويضمن لها موقع المتحكم)، ومن الاحتمالات القائمة استمرار الهيئة بصيغتها الراهنة وخطاب أكثر تشدداً مما سيجعلها في خندق واحد إلى جانب التشكيلات المصنفة إرهابية ك»التركستان» و»تنظيم حراس الدين» إضافة إلى المقاتلين المحليين الرافضين لصيغ الحل المطروح، لنكون أمام ولادة تنظيم أكثر قوة عسكرية وهو ما سيجعل من الوضع الأمني والعسكري في الشمال أمام فوضى حقيقية.
وشرح الباحث السياسي أيمن الدسوقي بأن العوامل المؤثرة على خيارات الهيئة في المرحلة المقبلة تتعلق بحجم الضغوط والوقت المتاح أمام الجولاني لأخذ مبادرة لا يظهر فيها بأنه في موقف الضعيف للحفاظ على تماسك الهيئة وإقناعها بالمسار الجديد.

حوار «التركستاني» و«الهيئة»

من جهة ثانية قال المرصد السوري لحقوق الانسان، إن المفاوضات لا تزال متواصلة بين كل من هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني ومجموعات جهادية أخرى من جانب، وقيادة القوات التركية في سوريا من جانب آخر، بغية التوصل إلى توافق نهائي على حل فصيل هيئة تحرير الشام والمجموعات «الجهادية» التي تضم في غالبيتها مقاتلين «جهاديين» من جنسيات غير سورية لأنفسها، وأكدت المصادر أن هذه المفاوضات تأتي بعد تزايد الضغوطات الإقليمية والدولية على الجانب التركي، بشكل متوازٍ مع تصاعد وتيرة التحضيرات لمعركة إدلب التي تسيطر هيئة تحرير الشام على القسم الأكبر من مساحة محافظة إدلب، التي تتقاسمها مع 3 أطراف أخرى هي الفصائل الإسلامية والمقاتلة والحزب الإسلامي التركستاني وقوات النظام والمسلحون الموالون لها.

مضيفاً أن القوات التركية تسعى لمحاولة إقناع هيئة تحرير الشام وبقية الجوانب التي تتفاوض معها، محذرة إياها من مغبة عدم الموافقة على الحل، والمتمثل بتحمل عبء ومسؤولية العملية العسكرية التي ستجري في محافظة إدلب، والتي تتحضر لها قوات النظام وحلفاؤها بشكل كبير خلال الأسابيع الأخيرة، عبر استقدام آلاف العناصر من قواتها والمسلحين الموالين لها من جهة، والمئات من مقاتلي الفصائل التي انضمت إلى «المصالحة» مؤخراً، ومئات العربات والمدرعات والذخيرة والآليات، ونشرها من جبال اللاذقية وصولاً إلى ريف حلب الجنوبي مروراً بسهل الغاب وشمال حماة وريف إدلب الجنوبي الشرقي.
وحسب المصدر فإن فصائل عاملة في إدلب، تعمل على توسعة الشرخ بين هيئة تحرير الشام والمجموعات التابعة لها، بغية حضها على الانشقاق عن تحرير الشام التي تعد إحدى التسميات المتجددة لمسمى جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في بلاد الشام) والانضمام لها، مشيراً إلى أن هيئة تحرير الشام تمكنت من الاستيلاء على كامل سلاح ومعدات كتائب أنصار الشام، التي كانت مبايعة للهيئة، وجرت مداهمتها في جبال اللاذقية صباح أمس من قبل هيئة تحرير الشام، بعد معلومات وردت لهيئة تحرير الشام عن عزم أنصار الشام على الانشقاق عنها والانضمام لفيلق مقاتل مدعوم من جهة إقليمية، حيث ساد التوتر في جبال اللاذقية الشمالية، بين الهيئة وأحد الفصائل المنضوية تحت رايتها.

وكانت هيئة تحرير الشام نفذت فجر يوم الخميس الثالث والعشرين من آب / أغسطس الجاري، مداهمات لمقار ونقاط تمركز فصيل أنصار الشام، والذي انضم في وقت سابق لهيئة تحرير الشام، ويتواجد في جبال اللاذقية بشكل رئيسي، حيث جرت مشادات كلامية تطورت لاشتباكات بين أنصار الشام وتحرير الشام، على خلفية هذه المداهمة، وعزت مصادر موثوقة السبب وراء هذه المداهمات، إلى نية فصيل أنصار الشام الانضمام لفيلق عامل في المنطقة ومدعوم من دولة إقليمية.

القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الأسد يتحالف مع إيران ضد التفاهم الروسي التركي

هيومن فويس تتجدد المخاوف بشأن مصير محافظة إدلب ومحيطها مع عدم وجود ملامح اتفاق روسي – تركي واضح لاحتواء جبهة النصرة وحل ملفها، وغياب المؤشرات التي تدل على توصل الدولتين الحليفتين إلى اتفاق حول مصير الشمال السوري، في ظل مفاوضات مستمرة بين أنقرة والتنظيمات الجهادية التي يرجح ان تتعرض بسبب تعنتها إلى عملية تحول قسري تمر بانفكاك بعض التشكيلات الأساسية عنها، وخلق نزاع داخلي بين التيارين المتشدد والبراغماتي، وذلك في سبيل تجنيب إدلب المعركة المرتقبة، والتي يرجح أن تكون بمثابة «عملية جراحية» غير شاملة بما يتطابق مع الرؤية الروسية مع مراعاة الهواجس التركية. حشود عسكرية وفي الوقت المستقطع تبرز رسائل

Send this to a friend