هيومن فويس

كل المؤشرات تفيد بأن الأمور تتجه نحو معركة دموية في محافظة إدلب، مع ما يشبه الموافقة الضمنية الصادرة عن أميركا وفرنسا وبريطانيا للنظام السوري بشن هجومه على المحافظة الشمالية الغربية، شريطة عدم استخدام السلاح الكيميائي هناك، بموازاة سلوك من جبهة النصرة يبدو أقرب إلى استعجال المعركة، عشية قمة روسية ـ تركية ـ إيرانية تعقد مطلع سبتمبر/أيلول المقبل في إسطنبول. وحسمت “هيئة تحرير الشام” (التي تشكّل جبهة النصرة عمودها الفقري) موقفها تجاه دعوات ومساع بُذلت لإقناع قادتها في المساعدة بـ”تفتيت” عوامل أزمة كبرى من المتوقع أن يشهدها شمال غربي سورية، من خلال حلّ نفسها لسحب الذرائع من يد النظام وحلفائه والذي توعّد الشمال بـ”محرقة”.

وقال القائد العام لـ “هيئة تحرير الشام”، أبو محمد الجولاني، في تسجيل مصور، يوم الثلاثاء، إن “سلاح الثورة خط أحمر لا يقبل المساومة”، مضيفاً أن “الأمر هو قرارنا”، مشيراً إلى أن “المصالحات التي أجراها الجانب الروسي مع فصائل المعارضة السورية المسلحة أسقطت الجنوب”. وأكد أن “الهيئة لن تسمح بتمرير هذا الأمر في الشمال السوري”، لافتاً إلى أن “الهيئة اعتقلت رؤوس الذين يدعون إلى مصالحة مع النظام”. وقال إن “ما قامت به الهيئة من حملات أمنية ضد مروّجي المصالحات في إدلب، هو للعمل على إفشال أي مشاريع أو خطط من قبل نظام الأسد لتكرار سيناريو جنوب سورية في إدلب، وعدم إمكانية تمرير ما قامت به روسيا ونظام بشار الأسد في الجنوب من مصالحات في إدلب”.

وأضاف الجولاني أن “الهيئة مستعدة للمواجهة في شمال غربي سورية”، مؤكداً أن “الاستسلام خيانة للشعب”. وكشف عن “تشكيل غرفة عمليات مشتركة، وأنه تم تحصين المنطقة”. وأعرب عن اعتقاده بأنه “لا يمكن الاعتماد على نقاط المراقبة التركية، فالمواقف السياسية تتغير بأي لحظة”. وكان الجيش التركي قد نشر 12 نقطة مراقبة على حدود منطقة خفض التوتر التي تضم كامل محافظة إدلب، وأجزاء في ريف اللاذقية الشمالي، وريف حلب الغربي، وهو ما يشكل عامل اطمئنان للمدنيين في المنطقة.

وبثّت الحسابات الرسمية لـ”هيئة تحرير الشام” على “تليغرام”، يوم الثلاثاء، صوراً للجولاني متفقداً غرفة العمليات العسكرية في ريف اللاذقية الشمالي. كما ظهر برفقة مجموعة من القياديين في الهيئة في قمة كباني بريف اللاذقية. وحسمت تصريحات الجولاني جدلاً أثير في الآونة الأخيرة حول مصير “هيئة تحرير الشام”، فمن الواضح أن أنقرة لم تستطع إقناعها بالمساعدة في تفتيت عوامل الأزمة المتوقعة في شمال غربي سورية، من خلال حل نفسها وتوزيع عناصرها على فصائل المعارضة السورية، خصوصاً على “فيلق الشام” المقرّب من تركيا.

ورغم تمكن تركيا من توحيد فصائل المعارضة ضمن الجبهة الوطنية للتحرير، إلا أن موضوع مواجهة هذه الجبهة مع تنظيم “هيئة تحرير الشام”، مرتبط بعاملين رئيسيين: الأول هو القدرة العسكرية على المواجهة، وهذا الموضوع مرتبط أيضاً بمدى الدعم الذي من الممكن أن تقدمه تركيا لهذه الجبهة. أما العامل الثاني فهو قرار المواجهة بحدّ ذاته المرتبط بالتوجهات المختلفة ضمن الفصائل المشكلة للجبهة الوطنية، وهو الأمر الذي لعب عليه الجولاني بخطابه، كونه مدركا بأن هناك توجهات أيديولوجية متباينة ضمن تشكيلة الجبهة، وبالتالي يمكن تشتيت قرارها من خلال اللعب على وتر الخطاب العاطفي وحتى يمكن جر قسم منها سواء لأخذ دور الحياد أو حتى الانضمام للهيئة تحت اسم توحيد الصفوف في مواجهة النظام. وهو الأمر الذي قد يفسر عدم صدور بيان أو موقف واضح تجاه تصريحات الجولاني من قبل الجبهة.

ويبدو أن مصير محافظة إدلب بات الشغل الشاغل لأطراف الصراع في سورية التي تحاول تجنب السيناريو الأسوأ في القضية السورية، لأن المحافظة تضمّ أكثر من 3 ملايين مدني، وتشكّل قنبلة بشرية يدفع انفجارها سورية إلى حافة الهاوية.

في هذا السياق، قال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، أمس الأربعاء، أثناء زيارته للقدس المحتلة، إن “لا تفاهم بين الولايات المتحدة وروسيا بخصوص خطط بشار الأسد لاستعادة السيطرة على إدلب”، مشدداً في الوقت نفسه على أن “بلاده ستردّ بقوة على أي استخدام للأسلحة الكيميائية أو البيولوجية في إدلب”. وكانت واشنطن حذّرت النظام من الاقتراب باتجاه الجنوب السوري، ولكنها بدّلت بعد ذلك موقفها وسمحت للروس بالسيطرة على كامل هذا الجنوب ما يعني أن سياسة واشنطن في سورية متحولة تمليها ضرورات اللحظة. وصحيح أن لا هم إسرائيلياً بالنسبة لأميركا في الشمال السوري مثلما كان عليه الحال في الجنوب، لكن الموقف الأميركي ربما تحكمها إجراءات التصعيد مع أنقرة، ما يعني إعطاء النظام الضوء الأخضر للهجوم على إدلب. وفي السياق، هددت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، الثلاثاء، بالرد، في حال استخدم رئيس النظام السوري بشار الأسد الأسلحة الكيميائية في أي هجوم يشنه لاستعادة السيطرة على محافظة إدلب، وهو ما يحلو لكثيرين اعتباره بمثابة الضوء الأخضر للنظام لحلفائه بشن حملتهم ضد إدلب شريطة عدم استخدام الأسلحة “غير التقليدية”.

وفي بيان مشترك للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، أعربت هذه الدول عن “قلقها الكبير” إزاء هجوم عسكري على إدلب، والعواقب الإنسانية التي ستنتج عنه. وقالت الدول الثلاث، في البيان “إننا نؤكد أيضاً على قلقنا من احتمال استخدام آخر وغير قانوني للأسلحة الكيميائية”، مضيفة: “نبقى مصممين على التحرك في حال استخدم نظام الأسد الأسلحة الكيميائية مرة أخرى”. وأشارت الدول الثلاث، في البيان إلى أن “موقفنا من استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية لم يتغير”، مضيفة أنه “كما عرضنا سابقاً، فإننا سنرد بالشكل المناسب على أي استخدام آخر للأسلحة الكيميائية من قبل النظام السوري، والذي كانت له عواقب إنسانية مدمرة على السوريين”.

وتزامن البيان مع الذكرى الخامسة للهجوم الكيميائي الذي شنه نظام الأسد على الغوطة الشرقية بريف دمشق، في 21 أغسطس/آب 2013. وأسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 1400 شخص وإصابة أكثر من 10 آلاف آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، بسبب استنشاقهم غازات سامة. ووقع الهجوم بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى دمشق. ومن الواضح ان بيان الدول الثلاث توقف عند تحذير النظام من استخدام أسلحة محرّمة دولياً ولم يصل إلى تحذيره من أي عمل عسكري ضد شمال غربي سورية، ما يعني موافقة غير مباشرة على أي عملية عسكرية لسحق المعارضة في إدلب ومحيطها.

وكانت تحدثت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام، الأسبوع الماضي، عن أن “قوات النظام استقدمت الحشود الأضخم بتاريخ الحرب السورية لاستعادة إدلب”، لافتة إلى أنه “تم توزيع هذه الحشود على محاور التماس بريف اللاذقية الشمالي، وفي سهل الغاب، شمال غربي مدينة حماة”. ونقلت “الوطن” عن “مصادر متابعة” ادّعاءها بأن “فائض النار الذي ستستخدمه قوات النظام في المعركة سيشكّل صدمة قوية، وسيؤدي إلى استسلام الكثير من المجموعات قبل البدء بتحريك القوات الاقتحامية”، مشيرة إلى أن “إدلب ستكون محرقة بكل معنى الكلمة لآلاف الإرهابيين”. وأكدت أنه “ستفتح جميع الجبهات ضدهم من حلب إلى حماة وصولاً إلى اللاذقية”.

ويبدو أن كل أطراف الصراع في سورية تستعد للمعركة شمال غربي سورية في حال فشل مساعي تجنبها من القوى الإقليمية والدولية، وتؤكد المعطيات أن عملية عسكرية لا بد واقعة إما عن طريق النظام وحلفائه ضد “هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة السورية، أو من الأخيرة ضد الهيئة لسحب ذرائع النظام لاقتحام المنطقة والتنكيل بالمدنيين.

من جانبه، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس الأربعاء، أن “قوات النظام تحصّن مواقعها وجبهاتها الممتدة من ريف حماة الشمالي، وصولاً لريف حلب الجنوبي، مع تحصينات في جبهات أخرى من شمال غربي حماة وجبال اللاذقية”، مشيراً إلى “دخول الآليات إلى مطار حماة العسكري، محمّلة بالأسلحة والذخائر والبراميل المتفجرة، وبالعناصر والمعدات”. ولفت في الوقت ذاته إلى أن “هيئة تحرير الشام، والحزب الإسلامي التركستاني وفصائل أخرى تحصن مواقعها، وتزيد نقاط تمركزها في المنطقة الممتدة من ريف حماة إلى ريف حلب الجنوبي، تحسباً لأي هجوم تنفذه قوات النظام، التي استقدمت مجموعات موالية لها منحدرة من قرى ريف حماة، وعشرات الضباط لقيادة المعارك ميدانياً”.

العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ضوء أخضر لاحتياج إدلب دون كيماوي

هيومن فويس كل المؤشرات تفيد بأن الأمور تتجه نحو معركة دموية في محافظة إدلب، مع ما يشبه الموافقة الضمنية الصادرة عن أميركا وفرنسا وبريطانيا للنظام السوري بشن هجومه على المحافظة الشمالية الغربية، شريطة عدم استخدام السلاح الكيميائي هناك، بموازاة سلوك من جبهة النصرة يبدو أقرب إلى استعجال المعركة، عشية قمة روسية ـ تركية ـ إيرانية تعقد مطلع سبتمبر/أيلول المقبل في إسطنبول. وحسمت "هيئة تحرير الشام" (التي تشكّل جبهة النصرة عمودها الفقري) موقفها تجاه دعوات ومساع بُذلت لإقناع قادتها في المساعدة بـ"تفتيت" عوامل أزمة كبرى من المتوقع أن يشهدها شمال غربي سورية، من خلال حلّ نفسها لسحب الذرائع من يد النظام

Send this to a friend