هيومن فويس

كان ربيع ٢٠١٤ في الساحل السوري استثنائيا بكل المقاييس، وبدا أن ريف اللاذقية خلع مصايفه الشهيرة لتحلّ مكانها الجبال القاسية والغابات الكثيفة والطرق الوعرة، وهي جغرافيا لم تكن ستحدد مستقبل الساحل وحسب، بل كانت على وشك حسم مصير الثورة السورية كاملة، وإحداث تغيير إقليمي لا يقل أهمية عن تبدّلها الجوهري.

في ذلك الربيع، وبعد بضعة أيام فقط من الذكرى الثالثة لاندلاع الثورة السورية؛ بدأت المعارضة السورية المسلحة معركة “الأنفال” المفاجئة للسيطرة على جبال اللاذقية، واستطاعت خلال أيامها الأولى السيطرة على عدة مواقع حدودية أهمها معبر “كسب” بين سوريا وتركيا، ونجحوا في قتل شخصيات قيادية كبيرة للنظام، وعلى رأسهم قائد مليشيات الدفاع الوطني “هلال الأسد”، ابن عم رئيس النظام السوري “بشار الأسد”؛ وبدا أنهم وخلال مدة قصيرة سيتمون سيطرتهم على اللاذقية كاملة.

إلا أن ذلك كان الشق الأسهل من المعركة، وبدأت جبال اللاذقية تكشف عن وجهها الخشن، وهي جبال أدرك النظام السوري أهميتها مبكرًا فاستوطن قممها منذ أن اندلعت الثورة، فبات مسيطرا عسكريًا على كل الطرق الموصلة بين القرى والبلدات والمدن التي خرجت عن سيطرته، وأحاطها بحزام ناري يمنعها من التحرك أو الانفلات، وأنهكها بالقصف الدوري العشوائي فباتت كمدن الأشباح بعد أن غادرها كل أهلها باستثناء مقاتلي الفصائل الذين ينتقلون من مصيفٍ خاوٍ إلى مصيف آخر، تحت وطأة القصف المدفعي من القمم، أو القصف الجوي من الطائرات والمروحيات.

استنزفت هذه القمم فصائل المعارضة التي بقيت تحاول بضراوة لأكثر من عامين اقتحامها والسيطرة عليها، وتباطأ سيرها العسكري شيئا فشيئا بعد أن اكتشفت بالطريقة الصعبة أن الخطط العسكرية التقليدية لا تصلح لهذه البيئة غير التقليدية، وأنه لا بد من إدخال عامل عسكري نوعي جديد ليتمكن من حسم المعركة، ووجدت العامل بالفعل في معركة الأنفال التي استغرقت عامًا كاملًا من التخطيط والتحضير، عاملٌ بدا أكثر ما بدا في معركة “قمة المرصد ٤٥”، القمة الاستراتيجية في جبل التركمان، والواقعة في قلب مثلث يطل على بقية الساحل وعلى مدينة اللاذقية والقرداحة، مسقط رأس الأسد، وهي قمة ستمكّن مقاتلي المعارضة من فتح منفذ بحريٍّ استراتيجيِّ يحتاجونه كمتنفس خارجي.

إلا أن المعركة حوت بعض الأساطير الخاصة بها، حيث تحكي القصص المروية لبعض مقاتلي المعركة عن رجالٍ شرسين «لا يموتون» حد تعبيرهم، لا بسبب قوة أجسادهم وحسب، بل لإعدادهم الطويل لمعاركهم ليخرجوا بأقل الخسائر، ولاستعداداتهم العسكرية الخاصة التي تبدو واضحة على هيئتهم متسّقة مع رؤوسهم الحمراء المميّزة، والأهم، لبراعتهم العسكرية التي بنوها خلال سنوات طويلة من القتال في بيئة جبلية لا تقل قسوة عن جبال اللاذقية صقلت أجسادهم ونفوسهم، ضدّ عدوٍ مشتركٍ يتحدثون لغّته الأم بجانب لغة عربية متكسرة، قادمين من الشيشان خصيصًا ليكملوا معاركهم الممتدّة في سوريا.

على رأسهم حضر رجل المعركة الأول الذي وضع كل خبرته العسكرية للتخطيط لها، فاستطاع بخطته وخبرته الوصول للقمّة الجبلية المذكورة، رافعًا عليها راية فصيله “جنود الشام”، وفي الذاكرة ألقابه الكثيرة، التي أضاف لها في تلك المعركة لقب “سوبكا” أي المرصد باللغة الروسية لدوره المركزي في نجاح المعركة الجبلية، لقب ضمن ألقاب أخرى كـ “الفايكنج” لشبهه بهم بشعره الطويل ولحيته الحمراء، إضافة للقبه الأول بين جنوده: “الأمير”، لقب حازه لخبرته العسكرية كجندي سابق في الجيش السوفييتي. كلها ألقاب تصف عالم “مراد مارجوشفيلي” المكنّى بـ “أبو الوليد” وبـ “مسلم الشيشاني”، أبرز الشخصيات الشيشانية المنحدرة من القوقاز والمقاتلة في سوريا.

“خطّاب” سوريا
تشكل فصيل مسلم الشيشاني “جنود الشام” عام ٢٠١٢، ووصل عدد مقاتليه في أفضل فتراته ما بين ٢٠٠: ٣٠٠ مقاتل، لكنه وعند معركة “الأنفال” لم يكن معه أكثر من ٩٠ مقاتلًا، إثر انفصال عدد كبير من مقاتليه لصالح “عمر الشيشاني”، وهو قائد عسكري شيشاني آخر لا يقلّ تأثيرا وأهمية عن مسلم بل ويفوقه شهرة، خاصة بعد أن بايع تنظيم الدولة وقاتل في صفّه، بجانب تفرّق بقية المقاتلين القوقاز في فصائل أخرى محلية، منضوية ومبايعة لفصائل جهادية كبرى، وعلى رأسها: “جبهة النصرة”، و “إمارة القوقاز”، فبات المشهد القوقازي في سوريا كأنه مرآة للمشهد “الجهادي” العالمي إن جاز القول بخلافاته كاملة.

لا تذكر الشيشان بشكل أساسي إلا بذكر حربي استقلالها الدمويتين الشهيرتين، الأولى المندلعة من نهاية عام ١٩٩٤ حتى أغسطس/ آب ١٩٩٥، والثانية المندلعة من منتصف عام ٢٠٠٠ حتى ٢٠٠٢، وهما حربين راح ضحيتهما عشرات الآلاف من القتلى المدنيين. ولا تحضر حرب الشيشان إلا بصورة القائد الميداني السعودي الشهير “ثامر السويلم”، الشهير بـ “خطاب”، والذي وصل للشيشان بين حربيها الأولى والثانية كمراسل تلفازي يخفي وراء عمله الإعلامي مقاتلا محنّكا ومدربّ عسكري قاتل، وهو الذي درّب أثناء حرب أفغانستان وطاجيكستان ضد السوفييت.

لم يكد خطّاب يصل للشيشان حتى بدأ نجمه القتالي في السطوع خاصة في العمليات القتالية والكمائن الخاطفة، وكان أشهرها عملية “كمين شاتوي” منتصف أبريل/ نيسان عام ١٩٩٦، وهو كمين تمكن به مع مجموعة من خمسين مقاتلًا من القضاء على أكثر من مائتي عسكري روسي بينهم أكثر من عشرين ضابطًا، في عملية صوّرت ونُشرت بالكامل على مقطع فيديو لتسبب فضيحة عسكرية للسياسيين والعسكريين الروس انتهت بإقالة ثلاثة جنرالات، قبل الانسحاب الروسي الكامل من الشيشان بعد ذلك بشهور قليلة وحسب، ليتحول خطاب لبطل قومي في الشيشان، قبل أن يتم اغتياله في وادي بانكسي شمال شرقي جورجيا نهاية عام ٢٠٠٢، تاركا وراءه إرثا عسكريا وفكريا كبيرًا يفضّل مؤيدوه تسميته بـ «التكتيكات الخطابية»، وهي تكتيكات تشكلت على مدى خمسة عشر عامًا من القتال.

لا تبتعد “التكتيكات الخطابية” كثيرًا عن حروب العصابات التقليدية، وتعتمد بالدرجة الرئيسة على استنزاف العدو وتكبيده أكبر قدر ممكن من الخسائر بشكل سريع لتُصبح كلفة استمراره بالقتال أو بقاءه في المعركة على فترات طويلة عالية لدرجة لا يستطيع تحملها، ما يدفعه للانسحاب أخيرًا، إلا أن إضافة خطاب الجوهرية كانت تكمن في أمرين، أولهما عدم وجود أي منشآت حيوية أو مقرات ثابتة للمقاتلين، وإنما يقاتلون دائماً في مجموعات صغيرة دائمة التنقل يتبدل مكانها من المدن والقرى للجبال حسب تطورات المعارك، وثانيهما كان الاستخدام الكبير للإعلام في الحرب السياسية والنفسية.

وإضافة للتكتيكات القتالية، وضع خطّاب ما يسميه أتباعه بـ “نظريات تأسيس الجهاديين”[2]، المقسّمة لمراحل ثلاث، أولها تربية معتمدة على الإعداد الفكري لنخبة من “الدعاة” كما سماهم، ثم التحضير طويل المدى الذي قد يستغرق عامًا كاملا من الاستعدادات شاملا الطعام والسكن والطريق والاستخبارات، وصولا للقتال نفسه، فاستطاع بتكتيكاته ونظرته البعيدة الحفاظ على مجموعته الصغيرة بلا خسائر بشرية تذكر، والتخفي بهم وتكبيد الروس خسائر لم يستطيعوا احتمالها.

بدون تدقيق كبير، لن تخطئ العين حضور مدرسة “خطاب” القتالية كاملة في معركة المرصد ٤٥، وهي معركة استطاع بها بضع عشرات من المقاتلين السيطرة على نقطة من أصعب النقاط العسكرية للنظام السوري دون خسائر كبيرة، بعد إعداد طويل استغرق عامًا كاملًا، وبتغطية إعلامية كبيرة ردّت بها المعارضة المسلحة بمقاطع مصورة على النظام كلما ادّعى استعادته السيطرة على المرصد؛ كان ذلك حضورًا عسكريًا مباشرًا يتجاوز الخطاب الرمزي الذي يحرص تلميذ خطاب ورفيقه في المعركة “مسلم الشيشاني” على استدعائه مرارا وتكرارا ليثبت على الأرجح جدارته بخلافة خطاب، سواء باستخدامه لقب الأمير تيّمنا بالأخير، أو بتأكيده القتال بجانبه كلما أتيحت له الفرصة، وحتى قوله مباشرة إنه «يقاتل في سوريا لذات القيم التي قاتل لأجلها خطاب في الشيشان» [3].

عالم “مراد مارجوشفيلي”
حيث دُفن خطاب الشيشان وُلد خطاب سوريا؛ في وادي “بانكسي جورج” شمال شرق جورجيا، وهو وادٍ منسي لا يمتاز بالكثير من الألقاب المحبّبة، فقد وصف مرارًا بأنه «ممر الجهاديين ومعقلهم» منذ الحرب الشيشانية[4] لأنهم كانوا يلجئون له لوعورته هربا من الضربات الروسية، فيعيدون تنظيم أنفسهم هناك ثم يعاودون ضرب الأهداف الروسية على الحدود الشيشانية والداغستانية، استفزازا للروس ليتدخلوا ويتجاوزوا الحدود الفاصلة بين البلدين. إلا أن التأثير الأكبر لهؤلاء “الجهاديين”، وخصوصًا الأجانب منهم كان التأثير الفكري حال نهاية الحرب الشيشانية الأولى، إذ بدأت تظهر على السطح اتهامات تمويل مواطنين عرب لمنظمات إسلامية لنشر أفكارٍ سلفية وهابية[5]، وهو ما يتفق مع فكرة خطاب الذي استقر هناك في سنواته الأخيرة، ومع مشروعه لتأسيس “الدعاة”.

في هذا الوادي، عام ١٩٧٢ تحت حكم الاتحاد السوفييتي؛ ولد ونشأ “مراد مارجوشفيلي”، وبدأ خبرته العسكرية بالقتال مع الجيش الأحمر ضمن قوات الدفاع الجوي في “منجوليا”، ثم عاد للشيشان مع سقوط الاتحاد السوفيتي، لينضم عام ١٩٩٥ لكتيبة “خطاب” ويقاتل بجانبه حتى اغتياله، ثم بجانب خليفته “أبو الوليد الغامدي”، الذي تكنّى باسمه، إلى أن أصبح “مارجوشفيلي” بنفسه أميرا لمنطقة “فيدينو” في الشيشان، كما تم إرساله لتنظيم جبهة جديدة في محافظة “سونزها”، بحسب سيرته الذاتية التي نشرها الجناح الإعلامي لفصيله “جنود الشام” باللغة الألمانية.

في عام ٢٠٠٣ اعتقل “مراد” بتهمة “الإرهاب”، لكن المثير للجدل في سيرته هو أنه لم يبق في السجن أكثر من عامين ونصف وسط إشاعات متناثرة بتعاونه مع السلطات، ولم ينتظر طويلا تعافيه من آثار التعذيب بعد إطلاق سراحه حتى توجه للقتال في الحرب الداغستانية مع المقاتلين القوقاز ضد الروس، ثم وصل عام ٢٠١٢ لسوريا ليشكل كتيبته “جنود الشام”، مستفيدا من علاقاته القديمة مع الممولين الذين كانوا مرتبطين بـ “خطاب” و “الجهاديين” العرب في الشيشان. [6]

وبينما كان “مراد” يقاتل مع “خطّاب”؛ وبعكسه تمامًا بعيدا عن الشاشات والكاميرات؛ كان أحد أبناء عمومته “فايز الله مارجوشفيلي”، والمعروف بـ “صلاح الدين الشيشاني”، يعمل دليلًا جبليًا للمقاتلين في الوادي، وحاز سمعة شهيرة بكونه دليلًا وكشافا[7] للمقاتلين والقادة الذين كانوا يختبئون هناك، ثم قاتل مع أحدهم في “أبخازيا” حيث أصيب برأسه وبشظية بعموده الفقري، كما اعتقلته السلطات الجورجية هو الآخر عام ٢٠٠٤ لأربعة أعوام أخرى.

أثناء اندلاع الحربين، لم يكن الطفل “طرخان باتيرشفيلي” قادرا على المشاركة في القتال مثل مراد وفايز الله لصغر سنه، لكنه كان مع أخويه الكبيرين وأبيه وأمه الأرثوذكسيين يشاهدان ويلات الحرب في الوادي على وجوه اللاجئين وفي ندوب الشباب الذين توجهوا للقتال هناك، وأنهى طرخان مدرسته وانضم للجيش الجورجي، حيث تم تعيينه في المخابرات العسكرية، وقاتل عام ٢٠٠٨ من وراء خطوط العدو الروسي ليقدم الإحداثيات للمدفعية الجورجية لقصف المواقع الروسية، في حرب “الخمسة أيام” التي هزمت بها جورجيا أمام الروس. [8]

بعد عامين، تم تشخيص “طرخان” بالسل، فانتهت مسيرته العسكرية بعد رفض الجيش عمله معه، فتحول لأحد شباب الوادي المحبطين الباحثين عن وظيفة، وأغلقت كل السبل في وجهه، فاضطر لإيجاد سبيل آخر اكتشفه والده عندما قرعت الشرطة الجورجية باب منزله منتصف الليل، وأخرجت من أسفل مقعد بجانب الباب صندوقا من الذخيرة اتهم “طرخان” بحيازته وسجن بسببه ثلاث سنوات.

في السجن، التقى “طرخان” بداعية سعودي يدعى “محمد” على صلات جيدة بشبكات “الجهاد العالمي”، وقضى معه عامي سجنه اللذين كانا كافيين لتغيير معتقداته تماما، ليخرج الشاب الذي دخل مسيحيًا أرثوذكسيا بلقب “الشيخ” طرخان محصنا بدعوات أخيه محمد وقائمة من أسماء داعمي “الجهاد العالمي”، من تواصل معهم حال خروجه بعدما قال لوالده أنه تأكد من أنه غير مرغوب به في البلاد، فخرج بعمر 26 لتركيا ومنها لسوريا عام ٢٠١٢، ليجد خبرته العسكرية في الجبهة السورية المشعلة، ويتخذ اسم “عمر الشيشاني”، ليصطف بجانب آخرين من أبناء وادي بانكسي المنسي _ مستندًا على تكتيكات خطاب وإرث الحرب الشيشانية وعداوة الروس الأزلية _ على قائمة أبرز القادة القوقاز في سوريا.

في عام ٢٠١٢ لم تكن الأمور تسير على ما يرام لدى “الجهاديين” في القوقاز، وعلى رأسهم “إمارة القوقاز” المستنزفة منذ عام 2010، والقريبة من تنظيم “القاعدة” ويترأسها “دوكو عمروف”. ففي أغسطس/ آب من العام المذكور، وفي الواقعة التي عُرفت باسم “لوبوتا”، على اسم المضيق الذي وقعت به؛ أحبطت قوات الأمن الجورجية محاولة ٢٠ مقاتلًا العبور من روسيا لداغستان، ولقي نصف المقاتلين حتفهم، بينما تفرق النصف الآخر أثناء تبادل إطلاق النار، في آخر محاولة جدية من قبل مسلحين لتنشيط التمرد الإقليمي في شمال القوقاز ضد الروس، واعترف “الجهاديون” بأن الجهاد في شمال القوقاز «بات أصعب ألف مرة من الجهاد في سوريا”[9]، المسرح “الجهادي” العالمي الجديد الذي دخلت به روسيا كخصم وحليف في الوقت نفسه، في لعبة الجهاد الاستخباراتية المتكررة منذ العرب الأفغان.

منذ بداية عام ٢٠١٣، بدأت قوات الأمن الروسية تدعم وتحرض تدفق المقاتلين من شمال القوقاز، وخصوصا من داغستان، باتجاه سوريا والعراق، وبدأ مندوبو المخابرات الروسية يلتقون الوسطاء المحليين في القرى النائية، ويعدون قوائم بأسماء الشباب اللذين يُعتقد أنهم شاركوا من قبل في التمرد أو لديهم قابلية المشاركة، ويسهلون لهم الحصول على جوازات سفر ثم يرسلونهم لتركيا، رغم رفض السلطات الشيشانية وخشيتها من تلك الأنشطة التي اعتبرها الروس نجاحا كبيرا، فبات نجاح الجهاد القوقازي في سوريا فشلًا في القوقاز نفسها.

على العموم؛ لا يعرف على وجه التحديد إن كان “عمر” و “صلاح الدين” قد التقيا في الوادي مثلما التقى عمر مع صديقه “رسلان ماشاليكاشفيلي”، المدعوّ “سيف الله الشيشاني”، أم أنهما قد اكتشفا بعضهما في سوريا، لكن وعلى كل حال فقد كان الناتج كتيبة صغيرة من المقاتلين القوقاز تُدعى “كتيبة المهاجرين”، دعوا «بقية المسلمين» للانضمام لهم بعد أن شاهدوا مقاطع وأخبار الأطفال والنساء والشيوخ القتلى والمصابين والثكلى في سوريا، وهو السبب الرئيس الذي يقول معظم المقاتلين القوقاز أنه كان دافعهم للقدوم، فكبرت الكتيبة شيئا فشيئا مع المقاتلين القادمين من القوقاز والقرم وتركستان وبقية دول الاتحاد السوفييتي السابق، لتصبح كتيبة “المهاجرين والأنصار” أولى الكتائب القوقازية التي ظهرت للواجهة عام ٢٠١٢.

أظهر “عمر” نجاحًا عسكريًا بارزًا في كل العمليات العسكرية التي شارك بها، بدءً من معركة السيطرة على اللواء ٦٠٦ صواريخ، ثم السيطرة على قاعدة الشيخ سليمان، ومداهمة الكتيبة ٨٠ قرب مطار حلب، وصولا لأكبر انتصاراته العسكرية التي حسمت خياراته: معركة مطار “منغ” العسكري في أغسطس/ آب ٢٠١٣، والتي قرّر بها ضمن الخلاف “الجهادي” الداخلي بين “تنظيم الدولة” و “القاعدة” الانحياز التام _مع مجموعته المشكلة من ٧٠٠ عنصر_ لـ “تنظيم الدولة” ومبايعة خليفته المفترض “أبي بكر البغدادي”، من عينه خلال فترة قصيرة وزيرًا لحرب الخلافة، في انشقاق ترك شرخًا لم يلتحم في صفوف المقاتلين القوقاز، وأدخلهم بشكل مباشر وحاسم في معركة “جهادية- جهادية”.

تشرذمت المجموعة[10] لأقسام ثلاثة بحسب الأصدقاء الثلاثة أيضًا، فبعد انشقاق “عُمر” لصالح “تنظيم الدولة”، أعلن “سيف الله الشيشاني” مع مجموعة “جيش الخلافة الإسلامية” مبايعة “جبهة النصرة”، فرع تنظيم القاعدة في سوريا حينها، قبل أن يُقتل بعد ذلك بفترة وجيزة في هجوم للجبهة على سجن حلب المركزي، بينما بات “صلاح الدين الشيشاني” قائدًا لكتيبة “المهاجرين والأنصار”، من أعلن بيعته للقائد الجديد لـ “إمارة القوقاز”، المدعو “علي أبو محمد الداغستاني”، بعد مقتل الأمير السابق “دوكو عمروف”.

بقي “صلاح الدين الشيشاني” أميرا لـ “جيش المهاجرين والأنصار” حتى منتصف ٢٠١٥، حيث تم عزله من منصبه مع قائده العسكري “عبد الكريم الأوكراني” نتيجة لخلافات داخل مجلس الشورى، فبات الممثل الرسمي لـ “إمارة القوقاز” في سوريا حتى نهاية العام، حيث تم عزله مجددا وتسليم الإمارة لقائده العسكري الأوكراني (الذي عُزل بدوره بعد أقل من عام تقريبا)، فعمل الشيشاني على تشكيل “جيش العسرة” الذي بقي قائده بشكل مستقل حتى مقتله نهاية عام ٢٠١٧ في قصف روسي على “ريف حماة”، فضل خلاله بعد أن تم إقصاءه من كل المجموعات عدم الدخول في الصراع المباشر بين “الفصائل الجهادية العالمية”، مفضلا التفاوض معها، وعلى رأسها “تنظيم الدولة” الذي انتدبته “جبهة النصرة” و “الجبهة الإسلامية” للتفاوض معها في الرقة، قبل أن يعود منها خاوي اليدين.

كان “جيش العسرة” أصغر التنظيمات القوقازية المستقلة التي لا تتبع لطرف “جهادي” عالمي على حساب طرف آخر، فبينما تصدّر هذه التنظيمات “جنود الشام” الذي يقوده “مسلم الشيشاني” بخبرته الطويلة؛ جاء بعده فصيلان أصغر لا يُعرف الكثير عن أصحابهما صغار العمر نسبيا مقارنة مع الأسماء الكبرى المذكورة – باستثناء عمر الشيشاني الأصغر عمرًا -، ويُعرفان أكثر بكونهما “مقاولين أحرار” للجهاد؛ الأول هو “أجناد القوقاز” الذي يُعرف أميره الثلاثيني “رستم أهازيف”، أو بالأحرى “عبد الحكيم الشيشاني” بإصبعين أو ثلاثة مفقودين أثناء زراعته قنبلة عام ٢٠٠٩، وهو من عاش معظم حياته في الحرب الأولى التي وعى عليها طفلًا والثانية التي فقد بها كل أصدقائه المحاربين وهم في عامهم السابع عشر، واستمراره بالقتال حتى نفيه العملي إلى إسطنبول التي يستقر بها منذ ٢٠٠٩، والتي يدير من شقته في أحد أحيائها “باشاك شهير” فصيله “أجناد القوقاز” ذي المئة عنصر من الشباب الذين يمارسون “الجهاد” من فترة لأخرى في سوريا لتوفير السلاح والمال، واضعين عينا على الاحتلال الروسي للشيشان، وعينا أخرى على سوريا التي شاركوا بها في معارك حاسمة، على رأسها معركة تحرير إدلب في مارس/ آذار ٢٠١٥. [11]

أما الفصيل المقاول الحر الثاني فهو “الملحمة تاكتيكال”، الملقب بـ “بلاك ووتر الجهاد”[12] كشركة أمنية جهادية أولى في العالم إن جاز التعبير، والمشكلة من بضعة مقاتلي نخبة من القوقاز المجهولين، تحت قيادة الأوزبكي “أبو رفيق”، يظهرون بحسب الطلب في المعارك الحاسمة، التي كان منها ملحمتا حلب، إضافة لتقديمهم ما يمكن وصفه “دروسا” تدريبية عملية للقتال عبر قناتهم على برنامج “التلجرام” الإلكتروني الروسي.

لا يموتون

لا يتجاوز عدد مقاتلي فصيل “الملحمة تاكتيكال” 10 مقاتلين، لكنه استطاع إثبات نفسه في ساحة تملؤها مئات المجموعات المسلحة من جميع الأطراف، في مثالٍ على الأهمية الاستراتيجية والعسكرية التي يمثّلها القوقاز[13]، بما يملكونه من خبرة وشراسة ومهارة قتالية، وانضباطٍ عالٍ يجعلهم قادرين على قلب موازين أي معركة يدخلون بها، وإعداد وتجهيز شامل في الخطط والعتاد، فكانوا متواجدين في الصفوف الأولى لأهم معارك الثورة السورية في الشمال، خصوصا في مثلث محافظات إدلب- اللاذقية- حلب، والأهم، دورهم في تدريب المقاتلين القادمين من الخارج وارتباطهم بالمقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا تحديدًا[14]، في دور بلغ ذروة أهميته ما بين أعوام ٢٠١٢: ٢٠١٥، قبل أن يبدأ بالتراجع شيئا فشيئا، لا بسبب المعارك والقصف التي لا تؤثر بالمقاتلين الذين «لا يموتون» حد ما ينسج حولهم، ولكن بسبب «الفتنة» كما وصفوها.

في مشهد ذي دلالة بالعام الماضي، ظهر قادة كبرى الفصائل القوقازية المستقلة في سوريا، “مسلم” و”عبد الحكيم” و”صلاح الدين”، في مقطع نادر ومعبّر في أغسطس/ آب ٢٠١٧، بعد 4 أعوام على بدء الاقتتال الداخلي بين الفصائل الجهادية، وأعلنوا للسوريين ما وصفوه بـ «اعتزال الفتنة»، وبدأ نجمهم يخفت شيئا فشيئا مع خفوت أصوات المعارك مع النظام منذ ذلك الوقت، وارتفاعها بين الفصائل، فبينما انتهى “عمر الشيشاني” مع انتهاء “تنظيم الدولة”، ومقتل كل من “صلاح الدين” و “سيف الله”، بقي في الساحة السورية للقوقاز كل من مسلم وعبد الحكيم، وفي الوقت الذي أعلن به الأخير وقف كل الأعمال القتالية في سوريا نهاية ٢٠١٧، ظهر “مسلم” مجددا ليعلن مشاركة فصيله في معركة حماة، ومنتقدا مرة أخرى ومجددا الاقتتال الداخلي بين الفصائل.

وفي الوقت الذي تظهر به هذه الروح على قيادات المجموعات، يبدو الأمر أكثر سوءً في القواعد المقاتلة التي باتت عالقة[15] ما بين جبهات متجمدة، وصراعات داخلية، وشيشان مغلقة عليهم، إذ حاول الكثير منهم العودة إلى إسطنبول حيث تستقر جالية شيشانية كبيرة هناك، فيما يبدو أنه نهاية العصر الجهادي القوقازي في سوريا، تاركا سؤالين بشكل رئيس، أحدهما عن مصير المقاتلين القوقازيين في تركيا، لكن الأهم يبقى تساؤلًا عن عودة المقاتلين المحتملة للساحة السورية، وعن مدى إمكانية رؤيتهم مرة أخرى على جبهات سوريا المشتعلة، وهو تساؤل سيبقى على الأرجح بلا إجابة لفترة قادمة.

الجزيرة: الميدان

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

جهاديو "الشيشان" بسوريا.. هل نجح بوتين بإحراقهم؟

هيومن فويس كان ربيع ٢٠١٤ في الساحل السوري استثنائيا بكل المقاييس، وبدا أن ريف اللاذقية خلع مصايفه الشهيرة لتحلّ مكانها الجبال القاسية والغابات الكثيفة والطرق الوعرة، وهي جغرافيا لم تكن ستحدد مستقبل الساحل وحسب، بل كانت على وشك حسم مصير الثورة السورية كاملة، وإحداث تغيير إقليمي لا يقل أهمية عن تبدّلها الجوهري. في ذلك الربيع، وبعد بضعة أيام فقط من الذكرى الثالثة لاندلاع الثورة السورية؛ بدأت المعارضة السورية المسلحة معركة "الأنفال" المفاجئة للسيطرة على جبال اللاذقية، واستطاعت خلال أيامها الأولى السيطرة على عدة مواقع حدودية أهمها معبر "كسب" بين سوريا وتركيا، ونجحوا في قتل شخصيات قيادية كبيرة للنظام، وعلى رأسهم

Send this to a friend