هيومن فويس

لم يخرج اللقاء غير المسبوق بين مجلس “سوريا الديمقراطية” والنظام في دمشق بنتائج مهمة، لكن انعقاده يشير إلى تبدل بالموقف الكردي وتحولات عميقة في المشهد السوري يجعلان مناطق الشمال والشمال الشرقي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة.
وعقد المجلس -وهو الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية- مفاوضات هي الأولى العلنية مع دمشق (بدأت يوم 26 يوليو/تموز الجاري) وأعلن التوصل إلى اتفاق على تشكيل لجان مشتركة “لتطوير الحوار والمفاوضات ورسم خريطة طريق تقود إلى سوريا ديمقراطية لامركزية”.

وضم وفد المجلس قادة سياسيين وعسكريين برئاسة الرئيسة المشتركة للمجلس إلهام أحمد لبحث مستقبل مناطق الإدارة الذاتية في الشمال السوري وسط تباينات ملحوظة بين تطلعات الطرفين وانتظاراتهما، لكن مع وجود مؤشرات على تعديل الأكراد إستراتيجيتهم ومواقفهم من النظام، خصوصا جراء الضغط التركي في مناطقهم.

وتأتي المفاوضات في وقت تقترب فيه دمشق من حسم جبهة الجنوب عسكريا (حوض اليرموك والقنيطرة وبادية السويداء الشرقية)، وتوجه الأنظار خصوصا إلى محافظة إدلب ومحيطها والمناطق التي يسيطر عليها الأكراد شمال شرقي البلاد.

ويعد الأكراد القوة الثانية في سوريا حاليا، إذ يسيطرون على نحو 30% من مساحة البلاد، وتنامى نفوذهم بعد انسحاب النظام تدريجيا منذ عام 2012 من مناطق بالشمال والشمال الشرقي (على الحدود التركية والعراقية) ليعلنوا لاحقا الإدارة الذاتية ثم النظام الفدرالي قبل نحو عامين في منطقة “روج آفا” (غرب كردستان).

وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) -وهي الغطاء السياسي للاتحاد الديمقراطي- بدعم أميركي على أغلب منطقة شرق الفرات ومعظم محافظة الرقة وكامل ريف دير الزور شمال نهر الفرات ومحافظة الحسكة باستثناء مربعين أمنيين للنظام في مدينتي القامشلي والحسكة.

وتسيطر كذلك على ريف حلب الشمالي الشرقي (شرق الفرات)، وقرى جنوب نهر الفرات تمتد من مدينة الطبقة غربا وحتى مدينة الرقة شرقا، وباتت عفرين (شمال غرب) منذ فبراير/شباط الماضي تحت سيطرة قوات تركية وفصائل الجيش الحر بعد عملية “غصن الزيتون”.

التوقيت والأسباب
فرضت متغيرات الحرب حاجة الطرفين لبعضهما البعض، فالأكراد غيروا مواقفهم نحو التقارب مع دمشق بعد عملية “غصن الزيتون” التي شنتها تركيا وفصائل الجيش الحر على منطقة عفرين بموافقة ضمنية أميركية وروسية، خصوصا بعد الاتفاق الأميركي التركي بشأن منطقة منبج.

ويشعر الأكراد بخذلان أميركي، خاصة بعد موقف واشنطن من عفرين ومنبج، إضافة إلى دروس الموقف الأميركي من استفتاء أكراد العراق وما تلاه من أحداث، ومؤداها أن الرهان على واشنطن سقط، وأن حلم “روج آفا” أصبح بعيد المنال وغير قابل للحياة -في هذه المرحلة على الأقل- بفعل الرفض التام له من قبل تركيا والنظام السوري والتحفظ الأميركي والروسي.

وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا، والمواقف الأميركية المتضاربة لاحقا بشأن الشمال السوري، وتغليب مصالحها مع أنقرة تخوفات عميقة لدى الأكراد من فقدان كل الحلفاء دفعة واحدة و”الوقوع بين فكي الكماشة التركية والسورية”.

ويبدو العامل التركي هو حجر الأساس في الالتقاء بين الأكراد والنظام في الشمال السوري، فهو الخطر الداهم بالنسبة لكليهما، خصوصا بعد تقدم الفصائل المعارضة المدعومة تركيا في شمالي حلب، وتهديد أنقرة بالوصول إلى الحسكة والقامشلي.

وقد بنيت المفاوضات الجارية حاليا على تجارب سابقة أسس لها “الخطر التركي” عندما شاركت قوات النظام الرديفة -ولو رمزيا- في الدفاع عن عفرين أثناء عملية غصن الزيتون في فبراير/شباط الماضي، وسلمت وحدات حماية الشعب الكردية أحياء تحت سيطرتها في شرقي حلب (الشيخ مقصود والأشرفية والحيدرية والهلك) إلى جيش النظام.

وفي المرحلة الراهنة يسعى النظام إلى حسم جبهة إدلب أولا، وتتطلب صعوبة العملية العسكرية في المنطقة المكتظة بالمعارضة المسلحة حسم كل الجبهات الأخرى الساخنة ولو مرحليا، كما أن النظام يدرك -رغم تهديداته أحيانا- أن الحسم العسكري مع الأكراد صعب ومكلف ويصعب مهمة الحل الشامل.

من جهة أخرى، فإن الاتفاق مع الأكراد وعودة مؤسسات الدولة (النظام) -بما فيها الشرطة والجيش- إلى مناطق الشمال الشرقي يعنيان بالنسبة للنظام انتصارا سياسيا آخر في هذه المرحلة، خصوصا أن تلك المناطق هي موطن معظم ثروات البلاد.

ورغم أن الأكراد يسيطرون على المناطق الغنية بالنفط والغاز -خصوصا حقول شرق دير الزور والحسكة- لكن معامل التكرير والتصفية وخبرات الإدارة، خاصة خطوط التصدير تبقى في أيدي النظام السوري، وهو ما يفرض اتفاقا معه، وقد سرت تسريبات عن عودة النظام لإدارة منشآت نفط بالحسكة وفي سد الطبقة.

وفي هذا السياق، يقول الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية رياض درار لوكالة الصحافة الفرنسية إن المفاوضات والمجالس المقترحة في المفاوضات تشمل أساسا المسائل “الخدمية” ومجالات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والسجلات المدنية باتجاه “وضع خريطة طريق تقود إلى حكم لامركزي”، مما يؤكد حاجة الأكراد إلى النظام.

وبالنسبة إلى النظام، فإن مقررات المؤتمر الثالث لمجلس سوريا الديمقراطية -الذي عقد بمدينة الطبقة في 16 يوليو/تموز الجاري- التي تبنت منطق الحوار مع “الدولة السورية” وأكدت على “اللامركزية” بدل “الفدرالية” بدت له مؤشرا مهما على تنازلات راهنة ومستقبلية من الأكراد.

وتنظر دمشق أيضا إلى تصريحات عضو الهيئة الرئاسية لمجلس سوريا الديمقراطية حكمت حبيب بأن المجلس “ينظر لكل القوى الأجنبية -بما فيها التحالف- على أنها تدخلات خارجية” كانزياح كامل نحو موقفها من الأزمة.

وفيما يحاول الأكراد ضمان الإدارة الذاتية لمناطق الشرق السوري ضمن “اللامركزية” وسط المخاطر والأجندات الدولية والإقليمية يسعى النظام إلى استثمار الورقة الكردية ضمن مخرجات الحل الشامل وفق مقولات إن “الحل في دمشق وليس في جنيف” والحوار “دون شروط مسبقة”.

رهانات ومتغيرات
وترى مصادر مقربة من المجلس أن مسار المفاوضات لن يكون سهلا باعتبار الاختلاف الكبير في رؤية الطرفين (دمشق وقسد) للحل المفترض، وكذلك مواقف القوى الأخرى الفاعلة في الأزمة.

وفي حين تساند موسكو المفاوضات بين الطرفين في اتجاه عودة دمشق لإدارة شمال شرق سوريا تبدو واشنطن وأنقرة الطرف الأبرز في معادلة الشمال السوري وهما يرقبان باهتمام سير المفاوضات ومآلاتها.

ويقول الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية رياض درار إن “الأميركيين على علم بالمفاوضات مع دمشق، وهم لم يتدخلوا في قرار المجلس، كما لم يحددوا أي اتجاهات أو سياسات حولها”، مشيرا إلى أن موسكو تعلم أيضا بكل الخطوات.

ويؤكد محللون أن واشنطن لا تمانع -وفق اتفاق مع روسيا جرى تداوله في قمة هلسنكي- عودة سيطرة النظام على مناطق شمال شرق سوريا (شرق الفرات) كما حصل في الجنوب في إطار “لامركزية” مع الحفاظ على المصالح الأميركية هناك، على أن تلعب موسكو دورا في تحجيم النفوذ الإيراني بسوريا.

وتنظر تركيا بعين الحذر إلى التقارب المتسارع بين دمشق والأكراد والذي يؤثر بشكل كبير على نفوذها في المنطقة ومستقبل عملياتها ضد وحدات حماية الشعب، خصوصا إذا ما عاد النظام إلى الشريط الحدودي، وهو ما يستوجب تفاهمات معه أو التصعيد العسكري.

ومن شأن الاتفاق بين دمشق والأكراد أن يلقي بظلاله أيضا على الصعيد العسكري في إدلب وشمالي حلب حيث المعارضة المسلحة التي تحظى بدعم تركي، وسيكون المقاتلون الأكراد عاملا مساعدا للنظام في المعركة المرتقبة والمحددة لمآلات الأزمة.

واستُبعد الأكراد من المفاوضات بين النظام والمعارضة في مؤتمرات جنيف وأستانا خصوصا بسبب رفض المعارضة وتركيا، في حين تتهم المعارضة المسلحة الوحدات الكردية بالارتباط بشكل أو بآخر مع النظام.

وفي السنوات السابقة أجريت مفاوضات بين الأكراد والنظام في ظروف ميدانية وسياسية مختلفة -سواء في دمشق أو القامشلي وحميميم- ولم تؤد إلى نتائج تذكر، لكن الضغوط السياسية والميدانية الجديدة تدفع الطرفين لحل وسط.

المصدر : الجزيرة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

كيف انعطف الأكراد نحو دمشق؟

هيومن فويس لم يخرج اللقاء غير المسبوق بين مجلس "سوريا الديمقراطية" والنظام في دمشق بنتائج مهمة، لكن انعقاده يشير إلى تبدل بالموقف الكردي وتحولات عميقة في المشهد السوري يجعلان مناطق الشمال والشمال الشرقي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة. وعقد المجلس -وهو الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية- مفاوضات هي الأولى العلنية مع دمشق (بدأت يوم 26 يوليو/تموز الجاري) وأعلن التوصل إلى اتفاق على تشكيل لجان مشتركة "لتطوير الحوار والمفاوضات ورسم خريطة طريق تقود إلى سوريا ديمقراطية لامركزية". وضم وفد المجلس قادة سياسيين وعسكريين برئاسة الرئيسة المشتركة للمجلس إلهام أحمد لبحث مستقبل مناطق الإدارة الذاتية في الشمال السوري وسط تباينات ملحوظة بين تطلعات

Send this to a friend