هيومن فويس

تخفي المعركة المرتقبة لقوات النظام جنوب سوريا العديد من الأهداف التي يسعى لتحقيقها، فالمعركة لا تهدف فقط إلى إخضاع مناطق سيطرة فصائل المعارضة في محافظتي درعا والقنيطرة، بل إلى تطويع أبناء الطائفة الدرزية في الجنوب عموماً ومحافظة السويداء على وجه الخصوص.

السويداء، المحافظة التي استطاعت تحييد نفسها عن معارك قوات النظام طوال السنوات الماضية، تمرّدت الفعاليات الدينية والعائلية فيها على سلطة النظام العسكرية، ومنعت سوق أبنائها إلى الخدمة الإلزامية، بينما شكّلت في المقابل حركات مسلحة أبقت تركيزها داخل المحافظة فقط.

تحييد المحافظة وعدم خروجها عن سلطة النظام بالكامل، منح الأخير القدرة على تركيز معاركه في المحافظات الأخرى، لكن يبدو أن “سنوات العسل” انتهت بقرار إشعال السويداء من جميع أطرافها، وإقحام أبناء الطائفة الدرزية في معركة تشير كافة المعطيات إلى أنها ستكون الأوسع نطاقاً في تاريخ الثورة السورية.

إلى الشرق من السويداء، أشعلت قوات النظام البادية ضد مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذين أخرجتهم من جنوب دمشق إلى المحافظة، وأقحمت أبناءها في المعركة، بينما إلى الريف الغربي تمركزت “قوات النمر” التي يقودها العميد سهيل الحسن، والمعروف عنها اعتمادها لسياسة الأرض المحروقة في معاركها بين مدن وبلدات ريف السويداء الغربي.

وبدأت القوات تستخدم المنطقة كقاعدة لشن عمليات القصف العنيف والممنهج ضد ريف درعا الشرقي، ما دفع فصائل المعارضة هناك للرد.

إلى الشمال الغربي لمحافظة القنيطرة، استقدمت قوات النظام الفرقة الرابعة و”لواء القدس”، وزجت التشكيلين في جبهات بلدة حضر ذات الأغلبية الدرزية، كما بدأت بإعادة هيكلة “فوج الجولان” المشكّل من قبل مقاتلي المنطقة من أبناء الطائفة نفسها تحديداً، ليُعاد دمجه ضمن تشكيلات النظام، قبل إقحامه ضمن المعركة المرتقبة في “مثلث الموت”.

هذا الزج المقصود لأبناء الطائفة في معركة مصيرية جنوب سوريا، يُلقي بظلاله حتماً على فعالياتها داخل الجولان المحتل، وهم الذين استطاعوا خلال السنوات الماضية الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لضبط تدخلاته في المنطقة، وظهر الأمر بشكل واضح إبان معركة “كسر القيود عن الحرمون”، في تشرين الثاني من عام 2017، التي شنتها فصائل المعارضة في الجنوب بهدف فتح طرق الإمداد لمنطقة بيت جن في ريف دمشق الغربي.

بلدة حضر الدرزية كانت حينها ممراً إجبارياً للمعركة، التي فشلت بعدما تكاتفت فصائل المنطقة الموالية للنظام، وشنت حركة ضغط ميداني وإعلامي على الاحتلال الإسرائيلي داخل الشريط الحدودي، لذلك يبدو النظام اليوم مندفعا أكثر من أي وقت سابق، للزج بالطائفة في المواجهة العسكرية، لما للأمر من تأثير قد يعكسه هذا الزج على سياق المفاوضات الإسرائيلية- الروسية حول ملف جنوب سوريا، وما قد تكسبه روسيا من نتائج لصالح حليفيها السوري والإيراني، أمام تراجعات محتملة للمفاوض الإسرائيلي بهدف تهدئة الشارع الدرزي داخل الجولان المحتل.

بدورها كثفت فصائل المعارضة في ريف درعا من الرسائل التي وجهتها لأبناء محافظة السويداء، بهدف منع انزلاق العلاقة التاريخية بين جبل العرب وسهل حوران، إلى أتون معركة ضخمة قد يبقى تأثيرها لعشرات السنوات مستقبلًا.

وأصدرت فصائل الجبهة الجنوبية بيانا افتتحته بتذكير أبناء محافظة السويداء بتاريخ العلاقة بينها وبين محافظة درعا في الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، مناشدةً أبناء المحافظة “ألا يكونوا طعما لتحقيق أهداف النظام والميليشيات الطائفية من إيران وحزب الله التي تحاول احتلال الأرض وتفريق الأهل الذين طالما كانوا الهدف الصعب ضد قوات الاحتلال عبر سنوات التعايش السلمي”.

وسرد البيان كذلك دور المحافظتين في الحفاظ على سوريا الموحدة بعيدًا عن التقسيم الطائفي، مؤكداً على حفاظ فصائل “الجبهة الجنوبية” على هدفها بـ “الوصول للدولة المدنية التي تحترم الحقوق والحريات وتؤسس للعدالة”، في محاولة لإرسال رسائل تطمين مستقبلية.

 كما حذر بكلمات شديدة اللهجة، من سعي النظام لاستخدام أبناء السويداء “وقودًا لمشروع إيران، وهي محاولة يائسة للعبث بمصير البلاد، فنحن وأنتم خارج هذا المضمار والتاريخ يشهد على ذلك”، خاتماً بمناشدة وتحذير ودعوة لمنع اشتعال الفتنة.

من جانبها، أعلنت “حركة رجال الكرامة” عن موقف “حيادي” من تطورات المشهد جنوب سوريا، وجاء في بيان من الجناح الإعلامي للحركة، أنها “كانت وما زالت على موقف الحياد الإيجابي من أي صراعات داخلية بين أبناء الوطن الواحد”، وحذرت الحركة من “المساس بهيبة جبل العرب الأشم والاعتداء على أهله”.

وتطرق البيان للاتهامات التي وجهت لمحافظة السويداء، بأنها تحولت لمنطلق معارك قوات النظام باتجاه محافظة درعا، مؤكدا “السويداء ليست الجبهة الوحيدة التي تنطلق منها العمليات العسكرية، فهناك عشرات الجبهات داخل محافظة درعا”.

لكن، يبقى تأثير “حركة رجال الكرامة”، وقدرتهم على قيادة موقف موحد للطائفة الدرزية، موضع شك، لاسيما بعد أن فقدت الحركة أبرز مؤسسيها، الشيخ وحيد البلعوس”، في أيلول 2015، في حادثة تفجير مازالت قوات النظام المتهم المباشر بالوقوف خلفها.

لا تبدو الخيارات المتاحة أمام أبناء الطائفة الدرزية كثيرة، فزجّ النظام لأعداد ضخمة من قواته في المعركة أمر يجعل خيار المواجهة العسكرية معه شبه مستحيلة، كذلك الانحياز إلى فصائل المعارضة لا يبدو خياراً مطروحاً في الوقت الراهن، لاسيما أن السنوات الماضية لم تؤسس لمثل هكذا انحياز حالياً.

الخيار الوحيد المتبقي يكمن بيد القيادات الدينية للطائفة، وقدرتها على استخدام نفوذها وتأثيرها على القيادة السياسة للنظام، أو على صناعة تأثير إقليمي ودولي يجنب أبناءها المحرقة التي يدفعهم النظام إليها، بينما لا يمتد نجاح أو فشل هذه المحاولات على المرحلة الحالية فقط، بل يرسم ملامح الدور الذي سيكون للطائفة في مستقبل سوريا، وحجم التأثير الذي ما زالت تملكه قيادتها السياسية والدينية.

المصدر: تلفزيون سوريا

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

"دروز الجنوب".. أكبر مواجهة عسكرية

هيومن فويس تخفي المعركة المرتقبة لقوات النظام جنوب سوريا العديد من الأهداف التي يسعى لتحقيقها، فالمعركة لا تهدف فقط إلى إخضاع مناطق سيطرة فصائل المعارضة في محافظتي درعا والقنيطرة، بل إلى تطويع أبناء الطائفة الدرزية في الجنوب عموماً ومحافظة السويداء على وجه الخصوص. السويداء، المحافظة التي استطاعت تحييد نفسها عن معارك قوات النظام طوال السنوات الماضية، تمرّدت الفعاليات الدينية والعائلية فيها على سلطة النظام العسكرية، ومنعت سوق أبنائها إلى الخدمة الإلزامية، بينما شكّلت في المقابل حركات مسلحة أبقت تركيزها داخل المحافظة فقط. تحييد المحافظة وعدم خروجها عن سلطة النظام بالكامل، منح الأخير القدرة على تركيز معاركه في المحافظات الأخرى، لكن

Send this to a friend