هيومن فويس

قبل خمسة أيام، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره السوري بشار الأسد في سوتشي جنوبي روسيا، حيث أكد أن سحب القوات الأجنبية من سوريا سيبدأ، مما طرح تساؤلات بشأن هذه القوات وموقف موسكو من طهران.

الرئيس الروسي لفت إلى أنه سينقل رسالة الأسد واستعداده لتسوية سياسية سلمية في سوريا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأكد أن الوضع السوري “ملائم لتفعيل العملية السياسية”، معتبرا أن هذه العملية ستساعد في انسحاب “القوات المسلحة الأجنبية” من البلاد.

ويعدّ ربْط بوتين العملية السياسية بخروج القوات الأجنبية من سوريا أمرا لافتا للغاية، مما يجعل من المفيد الوقوف عنده من أكثر من ناحية: ما المقصود “بالقوات الأجنبية”؟ وكيف ستخرج هذه القوات؟ وما آلية إخراجها في حال رفضها المغادرة؟

المسؤولون الروس يرون أن جميع القوات الموجودة في سوريا -باستثناء قوات بلادهم- غير شرعيةغرد النص عبر تويتر، لأنها لم تأت بدعوة من نظام الأسد، لكن المعلوم أنهم لا يملكون الآلية ولا القدرة التي تمكّنهم من إخراج القوات الأميركية وحلفائها من سوريا.

تعاون وضغوط
في المقابل، يدرك الروس جيدا أن واشنطن وحلفاءها الغربيين -فرنسا وبريطانيا- لن يطيلوا المكوث في سوريا لأسباب عديدة، منها الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

يضاف إلى ذلك التعاون التركي الروسي النشط في الأيام الأخيرة، خصوصا في إدلب وبقية مناطق الشمال الغربي السوري.

كما أن تركيا هي الطرف الضامن للمعارضة السورية في مسار “أستانا”، ولذلك سيكون من غير المنطقي وغير المعقول أن يطلب بوتين من أنقرة سحب قواتها التي دخلت سوريا بتنسيق سياسي وعسكري تام مع روسيا.

من جهتهم، حاول الإيرانيون وحزب الله اللبناني نفي التهمة بأن يكونوا هم المقصودين بكلام بوتين حول القوات الأجنبية، لكن المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية في سوريا ألكسندر لافرينتيف أوضح أن تصريح بوتين يشمل جميع القوات الموجودة هناك، بما فيها حزب الله والقوات الإيرانية.

وعموما، فإن قراءة ما بين سطور تصريحات القادة الروس توضح جليا أن القوات الإيرانية وتوابعها هي القوات الأجنبية الوحيدة المشار إليها في تصريحات بوتين.

تأكيد وتوجيهات
هذا التأكيد يستند إلى أن توجهات الإدارة الأميركية الحالية التي يقودها أشخاص معروفون بمواقفهم المتشددة تجاه إيران، حيث يأتي الرئيس ترامب ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي في طليعة المناوئين لطهران.

كما أن توقيت الاستدعاء الروسي لبشار الأسد عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، وتركيز بوتين على ضرورة مغادرة القوات الأجنبية للأراضي السورية للشروع في العملية السياسية، لا يمكن تفسيره إلا “بصفقة مقايضة إيران” من طرف الروس للأميركيين.

وكما هو معلوم فإن ترامب رجل الأعمال تروق له مثل هذه الصفقات الكبيرة، خصوصا أن العرض ينسجم مع رغبة دول الخليج العربي في تقليص النفوذ الإيراني، وبما يتم الحديث عنه من صفقة خليجية مع ترامب لتحجيم إيران وإضعاف نفوذها في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وفي سوريا واليمن على وجه الخصوص.

وتجلت إرهاصات المقايضة أو الصفقة الكبرى في امتناع موسكو عن تزويد نظام دمشق بمنظومة صواريخ “أس-300” التي تعهدت بمنحها له؛ خشية أن يستخدمها الإيرانيون، إضافة إلى عدم تحريك أي ساكن تجاه الضربات الإسرائيلية المتكررة للمواقع والأهداف الإيرانية في سوريا.

ورغم تعرض القوات الإيرانية المنتشرة على مساحات واسعة في سوريا لضربات إسرائيلية صاعقة ومدمرة، فإن بقاء القوات الروسية على الحياد -مع علمها المسبق بالضربات- أمر مثير للانتباه، إذ إن سكوت حليف عن استهداف حليفه أمر غير معهود.

وبالتأكيد، لا يمكن نسيان المصالح الاقتصادية والعسكرية، والتعاون الإستراتيجي العالي المستوى الذي يربط روسيا بإيران. فما هي الصفقة التي يطلبها بوتين ثمنا لتخلي موسكو عن طهران في هذا الظرف العصيب؟

لقد سبق لبوتين أن عرض رأس بشار الأسد للبيع، لكن الطرف الأميركي لم يبد اهتماما بالعرض الروسي في ذلك الحين.

لقاءات وتفاهمات
وعادة ما تتم اللقاءات بين بوتين والأسد على شكل استدعاء للأسد من طرف الروس، والاستدعاء -كما هو معروف- يكون من المقام الأعلى للمقام الأدنى، ومن الرئيس لمرؤوسه، بل كثيرا ما يبالغ الروس في الحط من قيمة بشار الأسد، إذ يتعمدون إظهاره وحيدا دون وفد ولا مرافقين، سوى المترجم الذي يكتب محضر اللقاء.

كما أن حديث بوتين خلال لقائه الأسد عن النصر العسكري وضرورة تحويله إلى ثمن سياسي، وتأكيده على ضرورة مغادرة القوات الأجنبية للأراضي السورية بحجة انتفاء الحاجة إلى وجودها، ما هو إلا صفقة يعرضها بوتين على الأميركيين والأوروبيين.

وبحسب الرئيس الروسي فإن النصر في سوريا قد تحقق، ولم تعد هناك حاجة للوجود الإيراني، وذلك من منطلق علمه بأن الطرف الوحيد الذي سيعارض الحل السياسي هناك هو إيران.

وصفقة المقايضة التي يعرضها بوتين على إدارة ترامب تشمل نظاما جديدا في سوريا ينتهي من خلاله حكم عائلة الأسد، ويتم ترحيل مليشيا نصر الله وقاسم سليماني. صفقة يتخلى من خلالها الروس عن حليفهم الإستراتيجي الإيراني، مقابل ضمان مصالح روسيا الحيوية في سوريا وربما في أماكن أخرى أيضا.

عرض لافت
العرض الروسي لافت من حيث التوقيت أيضا، فقد جاء وبوتين يستعد لاستقبال المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الجمعة القادمة، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأسبوع المقبل.

وفي هذا السياق قال يورى شفيتكين نائب رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي إن لقاء بوتين والأسد له أهمية رئيسية لجميع دول الشرق الأوسط ولمن لهم مصالح في هذه المنطقة.

ويبدو أن رسالة المسؤولين الروس -وفي مقدمتهم بوتين- واضحة في عرض صفقة للحل في سوريا، وهي تبدأ بإخراج الإيرانيين الذين يشكلون العقبة الرئيسية أمام الحل، ثم التفاهم على صيغة تضمن مصالح جميع الأطراف.

المصدر : وكالة الأناضول

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل تتخلى موسكو عن طهران لأجل واشنطن؟

هيومن فويس قبل خمسة أيام، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره السوري بشار الأسد في سوتشي جنوبي روسيا، حيث أكد أن سحب القوات الأجنبية من سوريا سيبدأ، مما طرح تساؤلات بشأن هذه القوات وموقف موسكو من طهران. الرئيس الروسي لفت إلى أنه سينقل رسالة الأسد واستعداده لتسوية سياسية سلمية في سوريا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأكد أن الوضع السوري "ملائم لتفعيل العملية السياسية"، معتبرا أن هذه العملية ستساعد في انسحاب "القوات المسلحة الأجنبية" من البلاد. ويعدّ ربْط بوتين العملية السياسية بخروج القوات الأجنبية من سوريا أمرا لافتا للغاية، مما يجعل من المفيد الوقوف عنده من أكثر من ناحية: ما

Send this to a friend