هيومن فويس

بعد أسبوع على الضربات الغربية بقيادة أمريكية لمواقع للنظام السوري، لم يزدد السوريون إلا ثقة بعدم اكتراث الولايات المتحدة لمأساتهم واقتصار حساباتها على التوازنات السياسية التي تبدو في عالم آخر غير عالمهم. وحتى الضربة تبين أنها ردة فعل رعناء حسب تقرير أخير لصحيفة نيويورك تايمز.

كان الأسد موغلًا في دماء السوريين بالأسلحة التقليدية والكيميائية حسب تقارير عالمية هي في متناول ترامب الذي أعلن قبل أيام من وقوع مجزرة الغوطة نيته الانسحاب من سوريا، إلا أن تحريض برنامج “فوكس آند نيوز” الصباحي – الذي يعشقه ترامب – للرد على تهديد السفير الروسي في لبنان ألكساندر زاسبكين أثار الرئيس الأمريكي، حسب الصحيفة.

هرع ترامب لممارسة هوايته المفضلة والموثّقة بإطلاق تغريدته الشهيرة التي توعد بها بإرسال صواريخ “جميلة، جديدة وذكية”، وتجاهل نصيحة وزير الدفاع جيمس ماتيس بأخذ تصريح من الكونغرس بتنفيذ الضربة. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في البيت الأبيض أن ترامب “أراد أن يبدو بمظهر الشخص الذي يقف وراء تغريداته”.

ورغم تلقائية ترامب وقناعته بدور الرئيس الذي تصدق أفعاله تغريداته أكثر من الرئيس الذي يتبنى استراتيجية تضمن دورا يلائم حجم الولايات المتحدة، إلا أن سياسيين وباحثين أمريكان ما زالوا يرون فرصة وضرورة في آن معًا لصياغة استراتيجية أمريكية من شأنها البناء على الضربة الأخيرة.

قدم السفير الأمريكي السابق في سوريا رايان كروكر والباحث في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية الأمريكية مايكل أوهانلون، في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال، مقترحًا لاستراتيجية أمريكية في سوريا تتضمن 4 عناصر كانت إدارة ترامب قد دعمت بعضها في عدة مناسبات.

يتمثل أول عنصر في مساعدة الحلفاء المحليين في سوريا للحفاظ على الأراضي التي يسيطرون عليها. الأمر الذي قد يتطلب نشر قوات قليلة العدد لأهداف محددة مثل استدعاء الضربات الجوية إذا تعرض الشركاء المحليون إلى تهديدات، أو حماية عمال الإغاثة الذين يساعدون في إعادة بناء هذه المناطق وتهييئها لعودة اللاجئين.

أما العنصر الثاني فهو استغلال التهديد بمزيد من العمليات العسكرية الأمريكية، من خلال إبلاغ الأسد بأن أي هجوم من قبل قواته أو الميليشيات التي تسيطر عليها إيران على القوات الأمريكية وحلفائها في المناطق التي ينشطون فيها سيتم معاقبته عليه بسرعة ودون إعلان. بحيث تزيد الولايات المتحدة قوة الضربة في المرات المقبلة لتشمل حتى مواقع داخل إيران حسب حجم الاستفزاز.

ويتلخص العنصر الثالث في وضع رؤية سياسية أكثر واقعيةً للبلاد، لا تطالب بالإزالة الفورية لبشار الأسد. أكّد كوركر وأوهانلون وحشية الأسد وضرورة إزالته في وقت ما، لكنهم أكدوا ضرورة قبول الغرب أن الأسد سيصر على امتلاك اليد العليا في اختيار من يأتي بعده من خلال عملية انتقال. يملك المجتمع الدولي نفوذًا في تشكيل هذا الخيار، يشمل ضمان وجود السنة والأكراد في الحكومة المستقبلية، ولكن ينبغي أن يكون هذا خيار الأسد، حسب الاستراتيجية المقترحة.

وينبغي تطوير حل أفضل للمسألة الكردية لضمان تعاون تركيا، كمقترح رابع للاستراتيجية. إضافة إلى تعزيز وقف لإطلاق النار بين تركيا وتنظيم بي كي كي، مع اشتراط الولايات المتحدة وحلفائها تقديم المساعدة للأكراد في سوريا مقابل إعادتهم الأسلحة الثقيلة التي سُلّمت لهم لقتال تنظيم داعش بعد انتهاء المعارك.

دعت الاستراتيجية المقترحة الولايات المتحدة إلى إعلان أنّها لن تدعم دولة كردية مستقلة في سوريا أو في أي مكان آخر، وأنها ستعارض منطقة حكم ذاتي واحدة كردية رسمية داخل سوريا. ودعت إلى اشتراط سماح الأكراد للبلدات في المناطق التي يسيطرون عليها بالمزيد من الاستقلال الإداري المحلي، مقابل الحصول على مساعدات.

رأى الكاتبان أن الولايات المتحدة وحلفاءها لديها أفضلية امتلاك المال الذي ستتطلبه إعادة إعمار سوريا، والذي قدرته بقرابة مئة مليار دولار. بحيث ينبغي عدم السماح بتدفق هذه الأموال إلى الأسد أو المناطق التي يسيطر عليها حتى يتنحى عن السلطة، باستثناء كميات محدودة من الغذاء والدواء لأهداف إنسانية حالما يثبت احترامه لوقف إطلاق النار ويوقف المجازر بحق الأبرياء.

حتى بوجود هذه العناصر سيظل جلب الاستقرار لسوريا صعبًا وسيستغرق وقتًا. لكن الأهداف الأساسية للولايات المتحدة، وهي حسب الباحثين الاستقرار والتعافي وتأمين النازحين والحد من نفوذ نظام الأسد وإيران ومنع ظهور تنظيمات مثل داعش، يمكن تحقيقها جزئيًا من خلال الوصول إلى استراتيجية شاملة ومتماسكة.

ربما ما تزال هذه الاستراتيجية مطلبًا بعيد المنال. فقد خرج المشرعون الأمريكان يوم الأربعاء من جلسة استماع بشأن الضربات الأمريكية، محبطين تجاه سياسة الإدارة الأمريكية. قال السيناتور الأمريكي لينزي غراهام إنه فقد أعصابه بسبب ما رآه وسمعه في الجلسة.

صرح غراهام بأن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية عسكرية لمواجهة النفوذ الروسي والإيراني وتبدو مستعدة “لتسليم سوريا للأسد وروسيا وإيران”، وقال: “أعتقد أن الأسد بعد هذه الضربة، يعتقد أنّنا كل ما نفعله هو التغريد دون أي أفعال”.

استشعر أعضاء مجلس الشيوخ بعد جلسة الاستماع التي تحدث فيها وزير الدفاع ماتيس ورئيس هيئة الأركان جوزيف دانفورد أن دوافع ترامب الانعزالية ستنتصر في النهاية، بغض النظر عن عواقب تراجع النفوذ الأمريكي عالميًا وعن مصالح الأمن القومي الأمريكية ومصير المنطقة.

أشار السيناتور الديمقراطي كريس كونورز إلى أن “ما هو أسوأ من خطة سيئة في سوريا هو عدم وجود خطة بشأن سوريا، وقد فشل الرئيس وإدارته في الخروج بخطة متماسكة للمضي قدمًا”، معربًا عن اعتقاده بأن من الضروي للولايات المتحدة حتى تظل فعالة في سوريا أن تسعى لحل دبلوماسي، وأن الانسحاب يعني تلاشي النفوذ الأمريكي في أي حل دبلوماسي أو عملية إعادة إعمار وانتهاء الآمال بسوريا ما بعد الأسد.

ورأى السيناتور بوب كوركر أن خطط الإدارة تقتصر على هزيمة داعش وعدم التورط لاحقًا، وأن روسيا وإيران سيحددان مستقبل سوريا، وقال: “ربما نكون على الطاولة، ولكن عندما تتحدث وليس لديك ما تقوم به لتشكيل ما يحدث على الأرض، فكل ما تفعله هو الحديث فقط”.

ومع استمرار الجدال في الكونغرس وفي أروقة الإدارة الأمريكية بشأن الاستراتيجية المأمولة، تظل المقترحات المطروحة مجرد سطور على ورق، لا يفضل ترامب قراءتها على الأرجح. ولكن تلقائيته وسلوكه غير المتوقع ربما يترك مساحةً لاحتمال وجود استراتيجية قد تغير مسار الأحداث في سوريا.تلفزيون سوريا

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل فات الأوان لاستراتيجية أمريكية بسوريا؟

هيومن فويس بعد أسبوع على الضربات الغربية بقيادة أمريكية لمواقع للنظام السوري، لم يزدد السوريون إلا ثقة بعدم اكتراث الولايات المتحدة لمأساتهم واقتصار حساباتها على التوازنات السياسية التي تبدو في عالم آخر غير عالمهم. وحتى الضربة تبين أنها ردة فعل رعناء حسب تقرير أخير لصحيفة نيويورك تايمز. كان الأسد موغلًا في دماء السوريين بالأسلحة التقليدية والكيميائية حسب تقارير عالمية هي في متناول ترامب الذي أعلن قبل أيام من وقوع مجزرة الغوطة نيته الانسحاب من سوريا، إلا أن تحريض برنامج “فوكس آند نيوز” الصباحي - الذي يعشقه ترامب - للرد على تهديد السفير الروسي في لبنان ألكساندر زاسبكين أثار الرئيس الأمريكي،

Send this to a friend