هيومن فويس

يبدو مسار الصراع السوري سائراً في المخطط الذي ترسمه روسيا، فبعد نجاحها في قلب المعادلة الميدانية لمصلحة النظام السوري، تعمل موسكو على فرض تسوية تحقق رؤيتها للحل، عبر جرّ المعارضة السورية للاجتماع في سوتشي مع النظام، لإخراج تسوية من هناك بعد تعطيل مسار جنيف عبر النظام، الذي بات ينفذ أجندة موسكو بحذافيرها. كل هذه المعطيات تبدو مريحة لموسكو، التي أعلنت أمس أنها أنجزت انسحاباً جزئياً لقواتها من سورية.

ولم يكن مفاجئاً ألا يخرج مؤتمر أستانة في جولته الثامنة، التي اختُتمت أمس، بأي قرار فعلي يخدم مطالب المعارضة باستثناء تشكيل مجموعتي عمل من أجل المعتقلين والمفقودين، وتبادل الأسرى والجثث، وإزالة الألغام، فيما كان التطور الأبرز تحديد موعد مؤتمر “الحوار الوطني السوري” في سوتشي، يومي 29 و30 يناير/ كانون الثاني المقبل. وتزامن ذلك مع إعلان الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان أملا، في اتصال هاتفي بينهما، “أن تمهد محادثات أستانة الطريق لعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في منتجع سوتشي”.

وطغت الجوانب السياسية على مداولات أستانة 8، خصوصاً مؤتمر سوتشي، وأعلن أمس أنه سيُعقد نهاية الشهر المقبل بعد الاتفاق على قائمة المشاركين، وهو ما كرّس مخاوف لدى بعض أوساط المعارضة السورية بأن جولة أستانة ما هي إلا توطئة للذهاب إلى سوتشي. وأعلنت الدول الضامنة لمسار أستانة، أمس، الاتفاق على تشكيل مجموعتي عمل من أجل المعتقلين والمفقودين وتبادل الأسرى والجثث، وإزالة الألغام. وبحسب البيان الختامي لأستانة أمس، فإن الدول الضامنة تعتزم “عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في 29-30 يناير/ كانون الثاني 2018، في سوتشي، بمشاركة كافة الطوائف السورية، والحكومة والمعارضة، ومن يهمه وحدة واستقلال أراضي سورية”. وشدد البيان على أن “الحل يقوم وفق القرار الأممي 2254، وذلك من خلال إجراء عملية حرة ونزيهة وشفافة، وإصدار دستور يوافق عليه كل الشعب، وإجراء انتخابات بمشاركة كافة أطياف الشعب”.

وتعليقاً على ذلك، قال رئيس وفد المعارضة في أستانة أحمد طعمة، خلال مؤتمر صحافي، “إننا نرى كل الجهود المبذولة في المفاوضات خطوات في الطريق الصحيح، لما يريده الشعب السوري، لذا جئنا اليوم من أجل قضية المعتقلين والمفقودين، وكان إلحاحنا شديداً على كل من التقيناهم لإقرار الآلية التي تضمن الإفراج عن السجناء، وتضمن لنا معرفة مصير المفقودين”. ولفت إلى أنه “في البيان الختامي تمت مناقشة هذا الموضوع، ونعتقد أنه تم التقدم خطوة نحو الأمام، وحصل تصور لهذا”، مضيفاً: “صحيح لم يتم إقرار الآلية، والبدء بتنفيذها، لكن أعتقد أننا خطونا خطوة مهمة، والضامنون توصلوا لنقاط من أجل التوقيع النهائي على هذا الاتفاق”. وأشار إلى أن تشكيل لجان لمناقشة التفصيلات الإضافية يجعلهم يتفاءلون بهذه النقطة”، معرباً عن أمله في أن “تقر الآلية في الاجتماع المقبل، وتبدأ عملية الإفراج عن المعتقلين”.

أما عن موقف المعارضة من مؤتمر سوتشي، فقال طعمة إنه سيتم التشاور مع كل القوى المدنية والعسكرية قبل تحديد موقف هذا المؤتمر. لكن طعمة أضاف أنه “من حيث المبدأ إذا كان المؤتمر سيؤدي إلى دفع مسار جنيف المبني على القرارات الدولية فإننا نرحّب به، أما إذا كان له مسار مستقل يخرج عن هذه القرارات فلن يكون محل ترحيب”، موضحاً أنه يستلزم معرفة بعض التفاصيل قبل اتخاذ القرار بشأن المشاركة في المؤتمر أو عدم المشاركة. ورأى أن هناك تحولاً بسيطاً في الموقف الروسي تجاه النظام، مشيراً إلى أن العملية بمجملها بطيئة “وما طرح علينا خلال هذه الجولة أن يكون هناك دستور عادل يتم التوافق عليه دولياً، يتضمن معايير لتحول سورية من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي”.

وفي السياق نفسه، قالت مصادر مختلفة إن الدول الضامنة، وهي روسيا وتركيا وإيران، اتفقت بالفعل على قائمة المشاركين في مؤتمر سوتشي، إذ أشار رئيس الوفد الروسي ألكسندر لافرنتييف خلال لقائه مع وفد المعارضة إلى أن دولاً عدة رشحت قوائم أسماء لحضور مؤتمر سوتشي منها مصر والسعودية وتركيا والإمارات وروسيا. وقال مصدر مطلع في المعارضة السورية لـ”العربي الجديد” إن رئيس الوفد الروسي أكد للمعارضة “أهمية الالتزام بمرجعية جنيف وتنفيذ القرار الأممي 2254، وأن مؤتمر الحوار السوري سيكون ملتزماً بذلك ويحظى بالدعم الإقليمي والأممي”. وأشار المصدر إلى أن رئيس الوفد الروسي علق على صورة إيقاف الضابط الروسي لرئيس النظام بشار الأسد في قاعدة حميميم، بقوله إن “الحل في سورية لا يتوقف على شخص أحد، لا بشار ولا غيره، ويجب أن يكون مؤتمر الحوار السوري مخرجاً مناسباً للحل النهائي”.

من جهته، قال عضو وفد المعارضة العقيد فاتح حسون لـ”العربي الجديد”، إن الوفد الروسي طرح عليهم رسمياً حضور مؤتمر سوتشي، لافتاً إلى أن الموضوع “ما زال قيد الدراسة لدى وفد الفصائل”. وأوضح أن الوفد الروسي أكد لهم أن “المؤتمر سيكون داعماً لمؤتمر جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 2254 وليس مساراً جديداً ولا يلغي باقي المسارات”. ولفت إلى أن الوفد التركي أبلغ وفد المعارضة بأن النقاط التي ركز عليها الجانب التركي في ما يتعلق بمؤتمر سوتشي تتعلق بالأشخاص المدعوين ودور المعارضة في هذا المؤتمر وعلاقة المؤتمر بجنيف والأمم المتحدة والقرارات الدولية ذات الصلة.

في المقابل، رجحت مصادر في المعارضة لـ”العربي الجديد”، مشاركة المعارضة في مؤتمر سوتشي. وأكدت المصادر أن روسيا عرضت ترؤس النائب السابق لرئيس النظام فاروق الشرع مؤتمر سوتشي، بناء على طلب قوى مقربة من روسيا تعتبرها الأخيرة من المعارضة، مشيرة إلى أن النظام يعتبر حتى اليوم أن الشرع غير مضمون بالنسبة له، وكان النظام قد رفض منذ أيام المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي أي لقاء مع الشرع أو أي شخص من القيادات المقالة، لافتة في المقابل إلى أن النظام قد يقبل بالشرع إذا فرضه الروس.

ولا يبدو أن موسكو ستواجه أي اعتراض على طلباتها مع النظام المتماهي مع التوجّهات الروسية، فقد أعلن رئيس وفد النظام إلى أستانة، بشار الجعفري، أمس، مشاركة النظام في سوتشي، معتبراً أن المؤتمر “سيشكل قاعدة للحوار بين السوريين”، متبنياً المطلب الروسي بانسحاب كافة القوات الأميركية من الأراضي السورية. وقال الجعفري في مؤتمر صحافي له في ختام الجولة الثامنة من أستانة، إن “الحكومة السورية تعتبر وجود القوات التركية على أراضيها بمثابة عدوان موصوف وتطالب بإخراج القوات الأجنبية من أراضيها فوراً ومن دون قيد أو شرط”، معتبراً إصرار الولايات المتحدة على إبقاء قواتها على الأراضي السورية من دون موافقة النظام “اعتداء على سيادة سورية يتعارض مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية ذات الصلة”. وشدد الجعفري على عدم وجود حوار مباشر بين وفد النظام في أستانة، وبين الوفد التركي، لأن “دمشق تعتبر تركيا دولة داعمة للإرهاب”.

أما المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، فقد قال في تصريح من أستانة أمس إنه ينبغي تقييم خطة روسيا لعقد “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الشهر المقبل، من حيث قدرة المؤتمر على دعم محادثات جنيف. ووصف الاتفاق على تشكيل “مجموعة عمل” لإطلاق سراح المعتقلين بالخطوة الأولى الجديرة بالثناء باتجاه وضع ترتيبات بين الأطراف المتحاربة.

وفي دلالة أخرى على مسعى موسكو تعويم مؤتمر سوتشي، فإنها أكدت أمس أن المسألة الكردية عموماً، لا تعرقل المشاورات المستمرة حول موعد سوتشي، وذلك بعد الكشف عن رفض تركيا وإيران مشاركة حزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي في مؤتمر سوتشي. وأكد لافرينتيف رفض تركيا القاطع حضور أي ممثلين عن حزبي “الاتحاد الديمقراطي” و”العمال” الكرديين مؤتمر سوتشي، مضيفاً: “المسألة الكردية عموماً لا تعرقل المشاورات المستمرة حول المؤتمر. الأمر وما فيه، يكمن في الرفض التركي القاطع لحضور أي جهة مرتبطة من قريب أو بعيد بحزبي العمال الكردستاني والديمقراطي الكرديين، ولذا فإننا نعكف الآن على تحديد الشخصيات، بمن فيها الكردية، التي ستتم دعوتها لحضور مؤتمر سوتشي”. وأشار إلى أن “النقطة الحساسة الوحيدة على الصعيد الكردي، تكمن في الاتفاق على الجهة التي ستمثل المكوّن الكردي إلى مؤتمر سوتشي. لقد بذلنا كل ما في وسعنا بما يتيح حضور أوسع تمثيل كردي في سوتشي شرط ألا يلاقي هذا الحضور الرفض التركي”.

وعن مجريات اجتماع أستانة أمس، أوضح فاتح حسون لـ”العربي الجديد”، أن وفد المعارضة اجتمع أمس مع الوفد الروسي وسلمه ملفات عدة تضمّنت خروقات النظام السوري وروسيا لاتفاقية “خفض التصعيد” ومجازر عدة ارتكبها الطرفان في سورية. وأشار حسون إلى أن الملفات تضمّنت تسجيلات مرئية وصوتية ومكتوبة وشهادات ووثائق سرية وعادية، بشأن بعض المجازر التي ارتكبها النظام وروسيا في سورية مثل مجزرة بلدة الغنطو في حمص بتاريخ 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، باستهداف الطائرات الحربية منزلاً في البلدة قتل خلاله 44 شخصاً، وكذلك مجزرة مدينة الأتارب في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي غرب حلب التي راح ضحيتها أكثر من 180 شخصاً بين قتيل وجريح، ومجزرة بلدة معرشورين في إدلب قبل أيام التي راح ضحيتها 18 مدنياً. وأضاف أن أحد الملفات تضمن خروقات النظام وروسيا لاتفاقيات “خفض التصعيد”، وآخر عن ممارسات “حزب الاتحاد الديمقراطي” بحق السكان المحليين وعمليات التطهير العرقي التي يقوم بها ضد السكان المحليين، فيما تحدث ملف عن تنسيق بين النظام وروسيا لاغتيال ضابط من الجيش السوري الحر في منطقة درع الفرات بريف حلب.
وأشار حسون إلى أن الوفد الروسي تسلّم الملفات المقدمة باستثناء المتعلق بمجزرة بلدة الغنطو شمال مدينة حمص، وطلب تسليمه في جنيف، بحجة أن المجزرة قديمة، وحصلت قبل اتفاقات أستانة. وقال إن الروس، وبعد نقاشهم بالثبوتيات من قبله بوصفه رئيس اللجنة العسكرية وتسلمهم الدراسة المعدة، أقروا بوجود تواطؤ بين النظام وداعش في ريف حماة الشرقي، وقالوا إنهم سيحققون في ذلك.

العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أستانة معبر روسيا إلى سوتشي

هيومن فويس يبدو مسار الصراع السوري سائراً في المخطط الذي ترسمه روسيا، فبعد نجاحها في قلب المعادلة الميدانية لمصلحة النظام السوري، تعمل موسكو على فرض تسوية تحقق رؤيتها للحل، عبر جرّ المعارضة السورية للاجتماع في سوتشي مع النظام، لإخراج تسوية من هناك بعد تعطيل مسار جنيف عبر النظام، الذي بات ينفذ أجندة موسكو بحذافيرها. كل هذه المعطيات تبدو مريحة لموسكو، التي أعلنت أمس أنها أنجزت انسحاباً جزئياً لقواتها من سورية. ولم يكن مفاجئاً ألا يخرج مؤتمر أستانة في جولته الثامنة، التي اختُتمت أمس، بأي قرار فعلي يخدم مطالب المعارضة باستثناء تشكيل مجموعتي عمل من أجل المعتقلين والمفقودين، وتبادل الأسرى والجثث،

Send this to a friend