هيومن فويس

تنوعت ردود الفعل الرسمية وغير الرسمية على الزيارة الخاطفة المُشبعة بالدلالات، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قاعدة بلاده العسكرية في محافظة اللاذقية السورية يوم الإثنين الماضي. وبينما أبدت “الهيئة العليا للمفاوضات” المنبثقة عن مؤتمر “الرياض2” للمعارضة السورية، ارتياحاً حذراً بحديث بوتين عن سحبِ الجزء الأكبر من قوات بلاده في سورية، معتبرةً أن “أي خطوة بهذا الاتجاه تعيد سورية إلى حالة الأمان، مرحب بها”، فإن واشنطن من جانبها بَدتْ متشككةً بما اعتُبرَ مزاعم روسية “لا تعني عادة تقليصاً فعلياً” لعدد وعتاد تواجدها العسكري في سورية.

موقف “الهيئة العليا” جاء من جنيف، على لسان المتحدث باسم وفدها لجولة المفاوضات القائمة حالياً بالمدينة السويسرية، يحيى العريضي، الذي عبر عن ترحيبه “بأي خطوة تساهم في جلب السلام إلى البلاد”، وذلك في معرض رده عن سؤالٍ للصحافيين حول حديث الرئيس الروسي عن بدء سحب الجزء الأكبر من قوات بلاده في سورية، مضيفاً أن “الهدف الأساس لنا أن تعود سورية لحالة أمان وسلام، كي يعود أهلها إليها، ويعيدوا بناءها، ويشعروا بالأمان”.

كما لَمَّحَ العريضي إلى ضرورة أن تفضي التفاهمات السياسية للقوى الإقليمية والدولية الفاعلة بسورية حالياً إلى إخراج المليشيات المدعومة إيرانياً، إذ أبدى ارتياحاً بالإعلان الروسي، بقوله إن “أي خطوة بهذا الاتجاه تعيد سورية إلى حالة الأمان، مرحب بها”، مستدركاً: “خاصة إن أخذت بطريقها تلك المليشيات التي تعيث فساداً في سورية”.

ولم تتأخر الولايات المتحدة كثيراً للتعليق على حديث بوتين من “حميميم”، إذ شكك المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)، بمصداقية ما صرح به بوتين، عندما اعتبر أن إعلان روسيا سحب قواتٍ ومعداتٍ عسكرية من سورية “لا يعني عادة تقليصاً فعلياً” لحجم هذه القوات عدة وعتاداً.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي في “البنتاغون”، أنّ قوات بلاده العاملة بسورية باقيةٌ عبر “التحالف (الذي) سيواصل العمل في سورية، دعماً للقوات المحلية على الأرض، من أجل استكمال الهزيمة العسكرية لداعش”، ولحين “إعادة الاستقرار للمناطق المحررة (من التنظيم)، والسماح للسوريين المهجرين واللاجئين بالعودة” إلى بلداتهم وقراهم التي فروا منها نتيجة المعارك.

من جهتها، بدت وزارة الدفاع الروسية وكأنها تريد التأكيد على مباشرتها، خلال يومي أول من أمس الإثنين وأمس الثلاثاء، بدء تنفيذ أوامر بوتين، من خلال إعلانها وصول كتيبة من الشرطة العسكرية الروسية المتواجدة بسورية إلى مقراتها، حيث “حطت طائرتا نقل عسكري (أمس الثلاثاء)، قدمتا من سورية في مطار محج قلعة في جمهورية داغستان الروسية، وعلى متنهما مئتا فرد من رجال الشرطة العسكرية التابعين للدائرة العسكرية الجنوبية”، بحسب بيانٍ وزارة الدفاع في موسكو.

بدوره، تحدث قائد القوات الروسية في سورية سيرغي سوروفيكين، عن تَوجيههِ أوامرَ بسحب خمسةٍ وعشرين طائرة من عدة أنواع، وكذلك نقل وحدات عسكرية أخرى متعددة المهام إلى قواعدها الدائمة في روسيا، في الوقت الذي يُشار فيه إلى أن بوتين أكد أن قواتٍ من بلاده ستبقى “بشكل دائم” في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية على سواحل البحر المتوسط السورية.

دعمٌ لنظام الأسد أم العكس؟

زيارة بوتين لـ”حميميم”، كانت كباقي القضايا في سورية موضعَ جدلٍ وانقسامٍ على مستوى الرأي العام السوري. وبينما اعتبرت في أوساط المعارضة “مُهينة” من حيث الشكل والمضمون للنظام ورئيسه بشار الأسد، بررت شخصياتٌ قريبة من النظام بعض ما اعتبرته “ترتيباتٍ بروتوكولية” رافقت الزيارة وكانت مسار جدلٍ واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، خاصة المشاهد التي بدا فيها ضابطٌ روسي أثناء توقيفه للأسد وتوجيهيه بعدم اللحاق بالرئيس الروسي نحو المنصة التي كان يستعد الأخير لإلقاء كلمةٍ منها.

وفيما لا يمكن الجزم تماماً بعوالم سياسات الشرق الأوسط المُتغيرة، تبقى السيناريوهات مفتوحة على احتمالات عدة، لكن تؤشر دلالات ما يظهر من مواقف رسمية في الإعلام، على جانبٍ مهم لما يحصل خلف الكواليس. وبعيداً عن مشهد الضابط الروسي الذي قيّدَ حركة الأسد في “حميميم”، والذي تداوله آلاف المستخدمين السوريين لمواقع التواصل، فإن متابعين وباحثين محّصوا الزيارة من كافة جوانبها، وحللوا المشاهد التي انفرد الإعلام الروسي بتصويرها وبثها قبل إعلام النظام الرسمي، وجدوا في كل ما رافق الزيارة مؤشراتٍ تُدلل على أن موسكو تتعمد تهميش دور النظام، وإظهار تحكمها الكامل بقراراته وتحركاته، وبأنها هي التي ترسم مستقبل السلطة في سورية.

ورأى الباحث السوري ساشا العلو، أنه “لو كانت روسيا تريد القول إنها تدعم بشار الأسد، لكان ذلك كلف بوتين كلمات عدة فقط، كأن يقول من حميميم إن روسيا ذاهبة لتقديم مزيدٍ من الدعم للنظام، أو أن يعلن أن روسيا ستقوم بتسليح وإعادة تأهيل الجيش السوري المنهك أو أن يتحدث عن اتفاقيات شراكة اقتصادية، أو يلوح بإعادة إعمار مشتركة وغير ذلك، لكن بوتين أعلن من حميميم النصر الروسي على إرهاب داعش، واستعرض قوته. ومشهد الزيارة ككل، لَمْ يَرقَ بشار الأسد فيه لمستوى أن يكون ممثلاً للمصالح الروسية في سورية”.

وأشار العلو، في حديثه مع “العربي الجديد”، إلى أن “الروس لو أنهم يريدون تعويم بشار الأسد، لأظهروا احتراماً له، وعززوا صورته كرئيس قابل للاستمرارية بين مؤيديه قبل معارضيه، ولم يتعمدوا إهانته في حميميم، وقبلها مرات عدة في مواقف مختلفة”.

ورأى العلو أن الزيارة لا تحمل أي دلالاتِ دعم للأسد بقوله إنه “لو أراد بوتين دعم الأسد، لكان بإمكانه ترتيب الزيارة بصيغة مختلفة تماماً، كأن يذهب بزيارةٍ رسمية للعاصمة دمشق ويتم استقباله رسمياً هناك، ويُعلن الانتصار بشكل مشترك وليس فردياً من جانب روسيا على الإرهاب”. وأشار إلى أن “الزيارة تحمل رسائل واضحة بأن الوجود العسكري الروسي بسورية، لا يمكن تقزيمه بحدود حماية سلطة بشار الأسد، وهو لحماية المصالح  الحيوية الروسية، التي يؤدي بشار دوراً وظيفياً بحفظها حالياً، بسبب عدة عوامل، منها احتفاظه ببقايا مؤسسات الدولة، إضافة لاعتباره منسقاً عاماً لبقايا الأجهزة الأمنية، وبعض الأقليات المعسكرة بشكل مليشيوي، وبالتالي الإطاحة به في بداية أي مرحلة انتقالية بالنسبة للروس وغيرهم من القوى الفاعلة، قد يؤدي لفوضى تعطل مسار الحل السياسي، في ظل قناعة لدى بعض الدول بأن لا إمكانية للمعارضة بقيادة مرحلة انتقالية بشكل منفرد، خاصة بعد دخول الإرهاب كمتغير ساهم بتغير أولويات المعادلة السورية من رحيل النظام لمكافحة الإرهاب (…) لكن وبالمحصلة، سيُشكل الأسد بعد نفاد دوره الوظيفي، عبئاً على المصالح الروسية الاستراتيجية بسورية، والتي تحتاج بالدرجة الأولى لأمن واستقرار بعيد المدى لا يبدو الأسد قادراً على حفظهما”.

لفت العلو إلى أن “أهداف بوتين من الزيارة عديدة، بعضها محلي روسي على اعتبار أنه على أبواب انتخابات رئاسية، وكذلك لتعويم مسار سوتشي الذي يُراد له بتوافق تركي – روسي أن يضع أسس الحل النهائي في سورية، وربما كذلك لتوجيه إشارة لإيران بأنه سيأتي اليوم الذي تنسحب فيه مليشياتها من سورية”. ولفت إلى أن غياب “الملفات الاقتصادية والأمنية والتعاون المشترك عن أجندة زيارة بوتين لحميميم، يعني بالتأكيد أنها ليست زيارة لدعم سلطة الأسد بقدر ما هي لخدمة مصالح موسكو”، لا سيما أن “هذه الملفات (أمن الطاقة والتسليح والتعاون الاقتصادي والعسكري وغيرها) حضرت في زيارة بوتين في القاهرة ثم أنقرة”.

وختم الباحث السوري بقوله إن “بوتين وجّه رسائل متعددة الاتجاهات في زيارة اللاذقية، ثم القاهرة وأنقرة”، إذ إن “التفسير العام يؤشر إلى أنها تأتي مع تراجع الدور الأميركي بالمنطقة بشكل أو بآخر، وبأن حلفاء واشنطن التقليديين في الشرق الأوسط، يناورون سياسياً بإبداء انفتاحٍ مع روسيا، التي تريد القول إنها باتت قوة مزاحمة للنفوذ الأميركي في المنطقة لا يمكن تجاوزها”.

المصدر: العربي الجديد- أحمد حمزة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الأسد بين الإذلال الروسي المتعمد والغزل

هيومن فويس تنوعت ردود الفعل الرسمية وغير الرسمية على الزيارة الخاطفة المُشبعة بالدلالات، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قاعدة بلاده العسكرية في محافظة اللاذقية السورية يوم الإثنين الماضي. وبينما أبدت "الهيئة العليا للمفاوضات" المنبثقة عن مؤتمر "الرياض2" للمعارضة السورية، ارتياحاً حذراً بحديث بوتين عن سحبِ الجزء الأكبر من قوات بلاده في سورية، معتبرةً أن "أي خطوة بهذا الاتجاه تعيد سورية إلى حالة الأمان، مرحب بها"، فإن واشنطن من جانبها بَدتْ متشككةً بما اعتُبرَ مزاعم روسية "لا تعني عادة تقليصاً فعلياً" لعدد وعتاد تواجدها العسكري في سورية. موقف "الهيئة العليا" جاء من جنيف، على لسان المتحدث باسم وفدها لجولة المفاوضات القائمة حالياً بالمدينة السويسرية، يحيى

Send this to a friend