هيومن فويس

من جنيف وفيينا، إلى أستانة؛ جولات من المفاوضات لحلّ القضية السورية، بدأت بعد حوالى عام من اندلاع الثورة السورية لإسقاط نظام بشار الأسد، وكانت الأوراق المطروحة خلالها تتناغم مع التطورات الميدانية أو الإقليمية.

إلى أن جاءت القمة الثلاثية الروسية الإيرانية التركية التي عقدت بمدينة سوتشي الروسية، يوم الأربعاء الماضي، لتدق جرساً ينذر بتغيير جذري لقواعد “لعبة التفاوض” بين معسكر النظام السوري وداعميه من جهة، وبين معسكر المعارضة السورية وداعميها من جهة ثانية. وفق ما نقلته صحيفة “العربي الجديد”

فبعد مرور أكثر من خمس سنوات على انطلاق مسار جنيف التفاوضي، الذي بدأ بلقاءات أميركية وروسية، وشمل بعدها عدة جلسات تفاوض بين النظام والمعارضة السورية برعاية الأمم المتحدة، يبدو أن روسيا باتت لا تخفي رغبتها بهندسة مسار تفاوضي جديد يجري تحت المظلة الروسية في سوتشي، وينسف جهود الأمم المتحدة والقوى الدولية والإقليمية المعنية بالصراع السوري.

مسار جنيف.. مساعٍ دولية بلا نتيجة

انطلق مسار جنيف التفاوضي بمؤتمر جنيف 1 الذي عقد في مقر الأمم المتحدة بجنيف في الثلاثين من يونيو/ حزيران عام 2012، والذي حضره ممثلون عن القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري، ليفضي المؤتمر إلى بيان عرف لاحقا ببيان “جنيف واحد”، والذي طالب بوقف العنف في سورية والإفراج عن المعتقلين وضمان حق التظاهر والتعبير للسوريين وانتقال البلاد إلى مرحلة انتقالية وصولا لانتخابات حرة وتعددية. إلا أن هذا البيان حمل تفسيرين، حيث اعتبرت الولايات المتحدة أن البيان يضع أرضية رحيل الأسد، بينما اعتبرت روسيا أن المؤتمر لم يتطرق لمصير الأسد.

وفي 22 يناير/ كانون الثاني عام 2014 عقدت الجولة الثانية من مفاوضات جنيف، دون أن تفضي إلى أي نتائج جديدة، حيث فشل المؤتمر فشلا كاملاً بالرغم من حضور أربعين دولة ومنظمة.

واعتذر المبعوث الدولي إلى سورية وقتها، الأخضر الابراهيمي، للشعب السوري عن عدم تحقيق شيء في المفاوضات، مرجعاً ذلك لرفض النظام السوري مناقشة بند هيئة الحكم الانتقالي، حيث قال إن “وفد النظام السوري أصر على مناقشة الإرهاب، بينما أصرت المعارضة على مناقشة هيئة الحكم الانتقالي”، مشيراً إلى أن “وفد النظام رفض مناقشة ثلث ما جاء في أجندة التفاوض”.

ومع استمرار الصراع في سورية، وفشل مسار جنيف في تحقيق خرق لإنهاء الصراع، اجتمعت مجموعة العمل الدولية الخاصة بسورية، في فيينا برئاسة الولايات المتحدة وروسيا قبل نهاية عام 2015، لتنتهي الاجتماعات بالوصول إلى ما عرف وقتها باسم “اتفاق فيينا” الذي نص حينها على أن تصل المفاوضات بين الأطراف السورية المتنازعة إلى تشكيل حكومة انتقالية “ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية”، تحدد جدولا زمنيا لكتابة دستور جديد، بالإضافة لإجراء انتخابات حرة وعادلة وبإشراف الأمم المتحدة خلال 18 شهرا.

وكان مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي عقد بعد أيام قليلة من اجتماع فيينا أول نتائج الاجتماع، حيث ضم مجموعات المعارضة السورية، وشكلت هيئة عليا للمفاوضات، لتمثل هذه الهيئة لأول مرة المعارضة السورية في جولة جديدة من مؤتمرات جنيف حضرها أيضا ممثلو النظام والدول الراعية وذات الشأن، وجرت في شهر يناير/ كانون الثاني 2016 قبل أن تتوقف المفاوضات نتيجة اعتراض وفد المعارضة السورية على استمرار هجوم قوات النظام على مدينة حلب.

تم تعليق المفاوضات حتى 25 فبراير/ شباط، حين عقد جنيف 4، وتميز بعرض المبعوث الدولي لسورية ستيفان دي ميستورا لتقسيم المفاوضات إلى أربع سلال، لكن النظام السوري رفض مناقشة سلة الحكم والانتقال السياسي ما نسف المفاوضات ودفعها للفشل مجدداً.
وفي مطلع شهر إبريل/ نيسان من العام الحالي اختتمت الجولة الخامسة للمفاوضات السورية غير المباشرة في جنيف، وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا مع نهاية الجولة إن “الوفود المشاركة ناقشت بالتفصيل جدول الأعمال المطروح، في حين تبادل وفدا المعارضة والنظام الاتهامات بشأن عدم تحقيق تقدم في هذه الجولة”، لتكون النتيجة هي الصفر كالعادة. وفي الشهر التالي عقدت جولة جديدة من مفاوضات جنيف دون تحقيق أي تقدم، كما عقدت جولة سابعة في يوليو/ تموز لم تختلف بشيء عن سابقاتها.

أدى التعنت الذي ميّز تعاطي نظام الأسد مع مسار جنيف، وقيام ممثليه بتمييع المفاوضات وشراء الوقت في الوقت الذي كانت فيه قواته تقضم بدعم روسيا وإيران مناطق سيطرة المعارضة السورية، إلى فشل ذريع لمسار جنيف بأكمله، حيث حوّل رفض النظام السوري القاطع، المضي في أي حل يجرده من السلطة أو حتى يقلص سلطاته، المفاوضات إلى مجرد عبث لا طائل منه.

شرعية دولية معطلة روسياً

تم تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 بالإجماع وذلك بتاريخ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015 وهو متعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سورية، وجاء القرار ليحول اتفاق فيينا الذي توصلت إليه مجموعة الدعم الدولية الخاصة بسورية في نفس الشهر إلى قرار أممي.

وينص القرار، كما هو حال اتفاق فيينا، على انتقال سياسي سلمي في سورية بغضون 18 شهراً ينتهي بانتخابات حرة وشفافة بإشراف دولي، وذلك بعد مرحلة انتقالية إلى نظام ديمقراطي تعددي. إلا أن كل ذلك بقي حبراً على ورق مع دعم روسيا المستمر لحملات النظام السورية والمليشيات الإيرانية ضد قوات المعارضة السورية.

 مسار أستانة.. التفاف روسي على مسار جنيف

بالتزامن مع سيطرة قوات النظام السوري على مدينة حلب نهاية العام 2016، دعت روسيا وتركيا وإيران إلى جلسات تفاوضية في العاصمة الكازاخية أستانة، لتعقد سبع جولات من المفاوضات “الأمنية” في أستانة أنتجت ما عرف باتفاقات “خفض التصعيد” في مناطق سيطرة المعارضة السورية، بظل استمرار الخروقات للاتفاقات من قبل قوات النظام السوري.

وفي الوقت الذي كان فيه ثقل روسيا كافيا لتعطيل مسار جنيف كلياً، فإنه كان في مسار أستانة كافيا لعكس الأمور لصالح النظام السوري وحليفته الأولى إيران، حيث تحولت الأخيرة إلى “طرف راع” للمفاوضات، في الوقت الذي لم تدع فيه إلى جولات جنيف الأولى.

كما نجحت روسيا خلال مسار أستانة باستمالة تركيا، التي تحول موقفها الداعم كليا للمعارضة السورية في وقت سابق لانطلاق مفاوضات أستانة، إلى موقف ضبابي من القضية السورية، تتجلى فيه رغبة تركيا في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية بمنع قيام دولة كردية على حدودها الجنوبية مع سورية.

“سوتشي”… لتصفية القضية السورية سياسياً

يبدو أن روسيا تستعد لتصفية ملف القضية السورية كلياً على المستوى السياسي، بعد نجاح قواتها العسكرية إلى حد بعيد بتقديم دعم كاف لقوات النظام السوري لحسم المعركة الميدانية ضد قوات المعارضة السورية بظل التغيرات الإقليمية والدولية التي صبت جميعها في صالح النظام السوري.

حيث تستعد روسيا للإعلان عن مخرجات ما يبدو أنها صفقة ثلاثية الأضلاع، روسية ــ إيرانية ــ تركية، يرجح أنها نتجت عن اجتماع الرؤساء الثلاثة، فلاديمير بوتين، وحسن روحاني، ورجب طيب أردوغان، فيما عرف بقمة سوتشي.

حيث تعتزم روسيا الدعوة لما تسميه “حواراً سورياً شاملاً” في سوتشي، من أجل  “كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات ومشاركة للمعارضة في السلطة”، ليكون هذا التصور الروسي بديلا للمرحلة الانتقالية التي تحدث عنها بيان جنيف 2012 والذي جرت على أساسه مفاوضات جنيف.

ولا يمكن أن يفهم تهميش روسيا لمسار جنيف، إلا على أساس أنه محاولة روسية لقطف ثمار نصرها العسكري سياسياً، وبالتالي تصفية القضية السورية سياسياً من خلال ادعاء توصل السوريين لاتفاق سلام تتم من خلاله اعادة تأهيل الأسد سياسياً بمشاركة معارضة سورية اخترعتها موسكو ورعتها لسنوات، انتظاراً لهذا اليوم.

المصدر: العربي الجديد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

من جنيف لسوتشي "تصفية" القضية السورية

هيومن فويس من جنيف وفيينا، إلى أستانة؛ جولات من المفاوضات لحلّ القضية السورية، بدأت بعد حوالى عام من اندلاع الثورة السورية لإسقاط نظام بشار الأسد، وكانت الأوراق المطروحة خلالها تتناغم مع التطورات الميدانية أو الإقليمية. إلى أن جاءت القمة الثلاثية الروسية الإيرانية التركية التي عقدت بمدينة سوتشي الروسية، يوم الأربعاء الماضي، لتدق جرساً ينذر بتغيير جذري لقواعد "لعبة التفاوض" بين معسكر النظام السوري وداعميه من جهة، وبين معسكر المعارضة السورية وداعميها من جهة ثانية. وفق ما نقلته صحيفة "العربي الجديد" فبعد مرور أكثر من خمس سنوات على انطلاق مسار جنيف التفاوضي، الذي بدأ بلقاءات أميركية وروسية، وشمل بعدها عدة جلسات تفاوض بين

Send this to a friend