هيومن فويس

تستعد المعارضة السورية للدخول في جولة تفاوض جديدة مع النظام بعد أن رتّبت بيتها الداخلي، من خلال تغيير بنية الهيئة العليا للمفاوضات في مؤتمر “الرياض 2″، الذي انتهى، أول من أمس، ببيان رسخ أكثر خطاب هذه المعارضة الرافض لحل يكون بشار الأسد و”زمرته” جزءاً منه. واختارت المعارضة 36 شخصية سورية أعضاء في الهيئة العليا للمفاوضات لمواجهة استحقاقات كبرى، ربما تتطلب تنازلات “مؤلمة”، لا تزال المعارضة تؤكد أنها لن تقدم عليها مهما علت الضغوطات عليها. ولكن تغيّر المزاج الإقليمي والدولي ربما يدفع باتجاه حل لا يحقق الحد الأدنى من مطالب الشارع السوري المعارض، خصوصاً على صعيد مصير بشار الأسد في السلطة.

ومن المنتظر أن تبدأ في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي جولة ثامنة من مفاوضات جنيف، تذهب إليها المعارضة السورية بوفد جديد يرأسه رئيس الهيئة الجديد، نصر الحريري، الذي يعتبر من “صقور” المعارضة، ويؤكد أن الانتقال السياسي في سورية “لا يمكن أن يحدث إلا برحيل رأس النظام، ورموزه”. وكادت خلافات تتعلق ببنية الهيئة العليا للمفاوضات أن تطيح بمؤتمر “الرياض 2” برمته، لولا نجاح مساعي اللحظات الأخيرة في الخروج بحل، يبدو أن أطرافاً قبلته على مضض، إذ تؤكد مصادر أن كل مكونات “الرياض 2” لم تكن راضية تماماً عن تشكيلة الهيئة، سواء من حيث التمثيل، أو من جهة الأسماء التي أصبحت أعضاء فيها.

وتمخض اجتماع المعارضة الرسمي الثاني في الرياض عن هيئة عليا تشرف على المفاوضات مع النظام في جنيف تحت غطاء أممي، مؤلفة من 36 عضواً، يمثلون الائتلاف الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطنية (معارضة الداخل)، والمستقلين، والفصائل العسكرية، ومنصة القاهرة. واختير نصر الحريري منسقاً عاماً للهيئة خلفاً لرياض حجاب، الذي استقال قبيل بدء اجتماع الرياض. كما اختير جمال سليمان، وخالد محاميد، وهنادي أبو عرب نواباً للمنسق العام الذي انيطت به أيضا مهمة رئاسة وفد المعارضة المفاوض في جنيف. وشبّه أحد المشاركين عملية تشكيل الهيئة بـ”المسلسل الطويل”، الذي شابه “النهم، والتزاحم، والصراع لتحصيل مقعد أو نسبة أكبر”، مضيفاً “كل واحد يعتبر نفسه الأجدر، والأقدر”.

وكان الشارع السوري المعارض يأمل أن يتمخض مؤتمر المعارضة في الرياض عن هيئة أقوى من سابقتها، خصوصاً لجهة التماسك الكبير بين المكونات من حيث الهدف والغاية. ولكن دخول شخصيات لم يكن لها نشاط معروف في الثورة والمعارضة قلل كثيراً من أهمية الهيئة الجديدة، التي غابت عنها شخصيات مؤثرة في المشهد السوري المعارض، اختارت الانسحاب بعد أن أدركت أن المرحلة تتطلب تنازلات كبرى، وجدت هذه الشخصيات أنها تعد تراجعاً واضحاً عن مبادئ الثورة السورية.

لكن الهيئة الجديدة لم تخلُ من أسماء معروفة جيداً للسوريين، وتملك الكثير من احترامهم، وفي المقدمة المنسق العام للهيئة، نصر الحريري، الذي كان رئيس وفد المعارضة السورية في جولتين من مفاوضات جنيف، ولا يزال مستمراً في هذه المهمة. وفي أول تصريح له بعد اختياره منسقاً عاماً للهيئة، قال الحريري إن “المعارضة ذاهبة إلى جنيف لعقد محادثات مباشرة، ومستعدة لبحث كل شيء على طاولة المفاوضات”، مضيفا “يجب أن نركز كل أعمالنا في جنيف خدمة للعملية السياسية وتحقيقاً للأهداف المنشودة”. ويتحدر نصر الحريري (40 سنة) من محافظة درعا، التي شهدت الشرارة الأولى للثورة السورية، وهو حاصل على الماجستير في الأمراض الباطنية والقلب، واعتقل عدة مرات في العام الأول من الثورة نتيجة انخراطه في النشاط الثوري، قبل أن يخرج من بلاده أواخر عام 2012 إلى الأردن، حيث كان له نشاط سياسي وإنساني. وانضم إلى الائتلاف الوطني السوري ممثلاً للحراك الثوري، ثم تسلّم الأمانة العامة للائتلاف، قبل أن يتم اختياره في فبراير/شباط الماضي رئيساً لوفد المعارضة المفاوض في مفاوضات جنيف. وينظر إلى الحريري كونه أحد “الصقور” في المعارضة السورية، إذ يؤكد أنه لا حلّ وسطاً مع النظام، وأن الانتقال السياسي في سورية “لا يمكن أن يحدث بوجود مجرم مثل بشار الأسد، لذلك لا بد أن يرحل رأس النظام ورموزه منذ بدء المرحلة الانتقالية”.

واختير جمال سليمان (58 سنة) نائباً للمنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات، وهو فنان، إضافة إلى كونه ناشطاً سياسياً معروفاً، وأحد الأعضاء البارزين المؤسسين لمنصة القاهرة، التي تختلف مع الائتلاف الوطني في العديد من القضايا المتعلقة بمستقبل البلاد.

وكان غادر بلاده أوائل العام 2012 إثر تهديدات بالاعتقال من قبل النظام. ويعد سليمان من أبرز الشخصيات العلوية المعارضة للنظام، وهو يعارض بشدة إعادة إنتاج النظام مرة أخرى تحت ذريعة الحل السياسي. كما أنه يبدي تحفظاً على هيمنة جماعات “الإسلام السياسي” على المشهد السوري المعارض. وجاء اختيار خالد محاميد نائباً لرئيس الهيئة موافقاً للتوقعات التي سبقت “الرياض 2″، وهو رجل أعمال مقرب من الخط السعودي الإماراتي. ونشط محاميد في الجانب الإغاثي طيلة سنوات قبل أن يقتحم المشهد السياسي في 2015، حيث أسهم في تشكيل منصة القاهرة. واختير محاميد في وفد المعارضة المفاوض في جنيف في الجولتين الأخيرتين، قبل أن تقوم الهيئة بإلغاء عضويته في أغسطس/آب الماضي، على خلفية تصريحات له أثارت جدلاً قال فيها إن الحرب في سورية “انتهت”، كما انتقد الدور التركي في الأزمة السورية. ولم يكن الشارع السوري المعارض يعرف النائب الثالث لرئيس الهيئة العليا للمفاوضات، وهو هنادي أبو عرب، لكن المعلومات المتوافرة عنها تشير إلى أنها من مدينة دمشق، وهي قاضية كانت تشغل منصب رئيس محكمة البداية المدنية قبل انشقاقها عن النظام، وعملت مدة من الزمن مستشاراً قانونياً لدى الجيش السوري الحر.

وضمت القائمة النهائية لأعضاء الهيئة العليا للمفاوضات أسماء بارزة في المشهد السوري الثوري والمعارض، لعل أبرزها محمد علوش الذي كان كبير مفاوضي وفد المعارضة في جنيف، كما ترأس وفد قوى الثورة العسكري إلى مباحثات أستانة أكثر من مرة، فضلاً عن كونه مديراً للمكتب السياسي في “جيش الإسلام”، أبرز فصائل الغوطة الشرقية العسكرية المعارضة. كما انضم عدد من أعضاء الائتلاف السوري إلى الهيئة العليا للمفاوضات، منهم هادي البحرة، وعبد الرحمن مصطفى، وربى حبوش، وبدر جاموس، إضافة إلى أعضاء في هيئة التنسيق، أبرزهم المنسق العام حسن عبد العظيم الذي تجاوز الثمانين من عمره، ورغم ذلك لا يزال حاضراً في المشهد ممثلاً لهيئة التنسيق التي تضم عدة أحزاب ناشطة في الداخل السوري. كما ضمت الهيئة عدداً من العسكريين وقادة في الجيش السوري الحر، أبرزهم بشار الزعبي، وياسر عبد الرحيم. ويأتي الأكاديمي المعروف يحيى العريضي، الذي كان مستشاراً سياسياً وإعلامياً لوفدي المعارضة في جنيف وأستانة، في مقدمة المستقلين الذين انضموا إلى الهيئة العليا للمفاوضات، إضافة إلى بسمة قضماني، وهي معارضة سورية معروفة تملك حضوراً لافتاً في المشهد السوري المعارض منذ العام 2012، وهي من الشخصيات المعروفة لدى الاتحاد الأوروبي بسبب إقامتها منذ السبعينيات في فرنسا، ومن المتوقع أن يكون لها دور كبير في المرحلة المقبلة.

لكن التشكيلة الجديدة للهيئة العليا ضمت شخصيات تشير مصادر إلى أنها جاءت “تحصيل حاصل، لإرضاء مكونات”، مؤكدة أن عدداً من أعضاء الهيئة من النساء جاء من أجل إرضاء رغبة أممية بأن يكون للمرأة تمثيل في مؤسسات المعارضة، مؤكدة أن غالبية نساء الهيئة الجديدات لا يملكن أي خبرة سياسية. ومن الملاحظ أن الهيئة العليا لم تضم مختصين في العديد من المجالات، خصوصاً القانوني، وهو ما يعتبره مراقبون “ثلمة” لا بد من تداركها، من خلال الاستعانة بمختصين في جولات التفاوض، خصوصاً أن أعضاء الوفد المفاوض يجب أن يكونوا من ضمن أعضاء الهيئة. ورغم عدم وضوح مشاركة منصة موسكو في الوفد المفاوض أو عدمها، إلا أن المعارضة السورية خرجت بتوافق يجعلها تذهب للمرة الأولى إلى مفاوضات جنيف بوفد واحد موحد، مرجعيته واضحة، وهي الهيئة العليا للمفاوضات، وهو ما يحقق رغبة دولية على هذا الصعيد. كما تملك الهيئة العليا الجديدة غطاء إقليمياً ودولياً لم تكن تملكه الهيئة العليا السابقة، وهو ما يصب لصالح بدء تفاوض جدي في الجولة الثامنة بعد أيام. ويعد “جنيف 8” أول اختبار يمتحن قدرة الهيئة العليا للمفاوضات الجديدة على مواجهة الاستحقاقات الكبرى في زمن التسويات، التي تؤكد معطياتها الأولى أنها لن تكون مرضية للسوريين.

المصدر: العربي الجديد- محمد أمين

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الهيئة الجديدة للمفاوضات: اختبارات تبدأ من جنيف

هيومن فويس تستعد المعارضة السورية للدخول في جولة تفاوض جديدة مع النظام بعد أن رتّبت بيتها الداخلي، من خلال تغيير بنية الهيئة العليا للمفاوضات في مؤتمر "الرياض 2"، الذي انتهى، أول من أمس، ببيان رسخ أكثر خطاب هذه المعارضة الرافض لحل يكون بشار الأسد و"زمرته" جزءاً منه. واختارت المعارضة 36 شخصية سورية أعضاء في الهيئة العليا للمفاوضات لمواجهة استحقاقات كبرى، ربما تتطلب تنازلات "مؤلمة"، لا تزال المعارضة تؤكد أنها لن تقدم عليها مهما علت الضغوطات عليها. ولكن تغيّر المزاج الإقليمي والدولي ربما يدفع باتجاه حل لا يحقق الحد الأدنى من مطالب الشارع السوري المعارض، خصوصاً على صعيد مصير بشار الأسد

Send this to a friend